أثارت قضية «المعلمات الوهمية» ردود أفعال واسعة في المجتمع السعودي، وصلت إلى حد توجيه اتهامات بوجود فساد ومحسوبية في إدارات التعليم، وقد ذكرت تقارير صحفية رداً على هذه الاتهامات أنها جاءت نتيجة عدم إكمال إجراءات تعيينهن على وظائف رسمية طبقاً لقرارات ترسيم معلمات محو الأمية والبديلات والعاملات على بنود.. وأشارت المصادر إلى أن المتضررات لم يذكرن مقدار الرواتب التي تصرف لهن والبنوك التي تودع فيها رواتبهن.. هل الأنظمة الأمنية لدينا ضعيفة حتى يسهل فتح حساب باسم مواطنة؟ وهل الأجهزة الرقابية لم تلاحظ وجود أسماء موظفات وهميات؟ وأخيراً «كيف يمكن لوزارة التعليم أن تصرف رواتب ومسيرات لموظفين في هذه التعقيدات الإجرائية؟!.
ورداً على الأسئلة السابقة التي تضمنتها التقارير الصحفية، أقول: نعم.. هناك ثغرات ونقاط ضعف في الأنظمة الإلكترونية في أي مكان في العالم، وربما لم تلاحظ الأجهزة الرقابية وجود أسماء موظفات وهميات، ولكن هذا
لا ينفي احتمالية وجود توظيف وهمي على أية حال، فربما الأجهزة الرقابية نفسها غير قادرة على كشف مثل هذه الحالات لأسباب عديدة، منها على سبيل المثال: عدم تزويد الرقابة بالمعلومات الكافية أو حجبها عنهم، وعدم التعاون معهم وفرض قيود كثيرة على عملهم.
وكما هو معلوم فإن نظام الموارد المالية في وزارة التعليم يعتمد على نظام إلكتروني «فارس»، وعن طريق هذا النظام يتم صرف الرواتب الشهرية لأي موظف من موظفي الوزارة، سواء من الكادر التعليمي أو الإداري
أو المستخدمين أو موظفي بند الأجور، وعلى هذا الأساس، أطرح التساؤلات التالية:
هل قامت وزارة التعليم بمراجعة محتوى قواعد البيانات للنظام السابق عند نقل المعلومات إلى نظام «فارس»؟ وخاصةً أن النظام السابق كان يعاني من إشكاليات كثيرة، مثل تكرار رقم السجل المدني للموظفين، وتكرار الحسابات البنكية! وعليه، هل توجد قيود رقابية على إدخال أرقام السجل المدني في نظام «فارس»؟
وهل يقبل النظام في خانة السجل حروفا أو عددا أدنى أو أعلى من المطلوب؟ وهل يقبل نظام «فارس» حفظ بيانات الموظف حتى في حال عدم استكمال البيانات الوظيفية المطلوبة؟ وهل النظام يسمح بإدخال رقم حساب بنكي مكرر؟ وكيف يتم إصدار مسير الرواتب وبأي صيغة؟ وهل هذه الصيغة تسمح بالإضافة والحذف والتعديل؟ وهل يتم إصدار المسير لكل إدارة على حدة مع وجود الرقم الوظيفي لكل موظف؟ وهل النظام يدعم خاصية دفع الراتب مقدماً؟
أما فيما يتعلق بإدارة الرواتب، فهل هناك فصل بين المهام والوظائف المتعارضة؟ فعلى سبيل المثال هل يتم فصلُ وظيفةِ إصدارِ أوامر الصرف للرواتب عن قسم الرواتب، أو يتم إصدارها عن طريق الإدارة المالية؟ وماذا عن صلاحيات موظفي الرواتب، فهل لديهم صلاحيات كاملة لإنشاء وتعديل البيانات مثل (إضافة موظف «حقيقي أو وهمي»، تعديل على بيانات المرتبة والمستوى والدرجة والبدلات والكادر، بالإضافة إلى صلاحية تعديل تاريخ المباشرة أو تعديل حالة الموظف؟.
الإجابة عن الأسئلة السابقة تعطي صورة مبسطة عن مدى فاعلية النظام الرقابي على إدارة الرواتب في وزارة التعليم، فإذا كانت الإجابات بالنفي، تكون هناك احتمالية كبيرة لاستمرار صرف الرواتب في حالة الانقطاع عن العمل أو احتساب الرواتب بطريقة غير صحيحة بالزيادة أو النقص، بالإضافة إلى احتمالية تعديل الرواتب الشهرية لبعض الموظفين بالزيادة بدون وجود قرارات تؤيد ذلك، وبالتالي صرف رواتب لموظفين لا يعملون في الوزارة أصلاً، وفي النهاية وفي ظل وجود مثل هذه الثغرات في النظام فإن ذلك يعني عدم وجود نظام رقابي فعال لمنع الغش والاختلاس وهدر المال العام.
وبناءً على ما سبق، ولكشف ما إذا كان هناك توظيف وهمي للمعلمات والمعلمين، فإنه يتم أخذ عينات إحصائية وفق الأساليب العلمية من مسيرات الرواتب للموظفين، ومن ثم إجراء اختبارات رقابية عليها للتأكد من سلامة البيانات وإجراءات صرف الرواتب، وفي هذا الصدد أتذكر خبراً نشرته الصحف المحلية قبل سنوات عن قضية اختلاس للرواتب في إحدى الجهات الحكومية، حيث قام مدير الرواتب بتكرار اختلاس مبالغ من حساب الرواتب خلال ثلاث سنوات تصل قيمتها إلى أكثر من (11) مليون ريال، وكانت الثغرات التي سمحت بهذا الاختلاس هو ضعف دور إدارة المتابعة والمراجعة الداخلية في الرقابة المالية وقصر أعمالها على الحضور والانصراف والتحقيق في القضايا فقط، واستمرار ظهور أسماء الموظفين المستقيلين في مسيرات الرواتب وصرف رواتب لهم، مما ساعد مدير الرواتب على تجميع رواتبهم وتحويلها لحساباته الشخصية.
هذا بالإضافة إلى عدم القيام بفحص كشوف حساب الرواتب البنكية طوال السنوات الثلاث الأخيرة، وتحكم مدير الرواتب بالدسك الخاص بالرواتب دون غيره من موظفي قسم الرواتب، مما سهل ذلك عملية الاختلاس، والتي تم اكتشافها من خلال جهود شخصية عند ملاحظة وجود رواتب عالية في المسير!.
وفي النهاية، فإن قضية «المعلمات الوهميات» سلطت الضوء على واقع الرقابة المالية وعلى واقع أنظمة الرقابة الداخلية ليس على وزارة التعليم وحدها، بل على جميع الجهات الحكومية، ولأهمية هذا الموضوع في مجال المساءلة وتفعيلها على أرض الواقع يجب على وزارة التعليم أن تكون أكثر شفافية في كشف الحقائق على الرأي العام والإعلام بخصوص هذه القضية، كما يجب أيضاً تدخل الجهات الرقابية مثل ديوان المراقبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» بدلاً من هذا الصمت المطبق!.