لحظات تاريخية خالدة عاشتها المملكة ليلة الأحد الماضي، تابع فيها السعوديون خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وهو يعلن تشكيل لجنة عليا لمكافحة الفساد بكافة أشكاله وصوره، وملاحقة عدد من المشتبه بهم بتهم المساس بالمال العام من دون وازع من ضمير أو أخلاق أو وطنية، كما قال الملك في كلمته. ولم تكد فرحتهم تكتمل وهم يتلقون خبر تشكيل اللجنة، حتى غمرتهم السعادة مرة أخرى وولي العهد الأمير محمد بن سلمان يعلن توقيف العشرات من كبار المسؤولين والوزراء، وبدء التحقيق معهم في ما نسب إليهم من تجاوزات.

تتالت الأحداث عاصفة بعد إعلان تشكيل اللجنة، حيث تم الإعلان عن قرارات غير مسبوقة، واتخاذ خطوات جدية، أكدت أن اللجنة ليست صورية، وكشفت عن جهود كانت تبذل منذ وقت طويل لتحويل رغبة الشعب السعودي في محاربة الفساد إلى واقع ملموس، وأن من كلفهم الملك بإرجاع حقوق البلاد قضوا وقتا طويلا ينقبون في الأوراق ويراجعون المستندات، ويبحثون في كل الاتجاهات، حتى توصلوا إلى هوية الأشخاص الذين دارت حولهم الشبهات، ولأجل تسريع كشف تجاوزاتهم تم فتح أكثر الملفات إثارة للجدل خلال الفترة الماضية، وهما ملفا سيول جدة ووباء كورونا، مما زاد الثقة في أن بقية الملفات سوف تفتح هي الأخرى، وأن المحاسبة سوف تطال في النهاية كل مفسد ومرتش وظالم لنفسه وسارق لوطنه.

اختلطت مشاعر المواطنين في تلك الليلة التاريخية بالفرحة والأسف، الفرحة على قرب معاقبة المفسدين وانتهاء العهد الذي كان فيه أصحاب الضمائر النائمة يسرقون مال الشعب، دون خوف من ملاحقة أو محاسبة، ونفوسهم مطمئنة إلى أن الأمر ينتهي عند مجرد اكتمال جريمة السرقة والاختلاس، كما شعروا في ذات الوقت بالأسف لحال الذين دارت حولهم الشبهات وقدم لهم هذا الوطن الكثير، فردوا الجميل بالنكران والجحود.

كانت فرحة المواطنين في مختلف المناطق كبيرة، وهم يرون مليكهم يفي بما عاهدهم عليه منذ أيامه الأولى في كرسي الحكم، بضرب مراكز الفساد، وتغليب حكم القانون، ومعاقبة المتجاوزين، دون النظر إلى أسمائهم ومكانتهم في المجتمع. وهذه القرارات، وإن كانت مفاجئة للبعض خارج المملكة، إلا أنها كانت متوقعة لمن يتابعون الأحداث في الداخل، فالجهود العظيمة التي بذلها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مثل رؤية المملكة 2030، والمشاريع الضخمة التي تم إقرارها، والمساعي الحثيثة لتطوير الاقتصاد السعودي، كلها مشاريع رائدة، لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود أعلى درجات الشفافية والنزاهة، وتأكيد أنه لا كبير فوق القانون، لذلك لم يكن من المنطقي أن تضيع كل هذه الجهود بسبب وجود قلة تتعدى على المال العام. والأمير محمد عندما قال إن المحاسبة ستطال كل من يثبت فساده «كائنا من كان» كان يعني هذه الجملة بالضبط، وكانت أفعاله اليوم تعبيرا عن كلماته بالأمس.

غير أنه لا بد من التنبيه إلى نقطة في غاية الأهمية، هي أن من تم إيقافهم لم يصدر في حقهم دليل إدانة قطعي، وسيخضعون إلى التحقيق في ما نُسب إليهم من اتهامات، وسوف تتم إحالتهم بكل تأكيد إلى محاكمات عادلة، تستوفي كافة معايير الشفافية والنزاهة، ولن تصادر حقوقهم، ولن يحرموا من الدفاع عن أنفسهم، لذلك لا أرى داعيا إلى التسرع في إطلاق الأحكام جزافا بدون وجه حق، فالمملكة دولة مؤسسات، لن يرضى قادتها بأخذ البريء بجريرة المجرم، ولا يحرص ولاة أمرها ولا يتمنون أن يكون أحد مواطنيهم سارقا أو غير مستحق لأمانة التكليف، وسيكون الوضوح والشفافية عنواني المرحلة المقبلة، وكل من يتابع مجريات الأمور مطمئن إلى أن من يثبت فساده سيجد الجزاء العادل، ومن تثبت براءته سيتم إعلان ذلك ليعود إلى بيته مرفوع الرأس موفور الجانب. كما أنه من الثابت أيضا أن قائمة الموقوفين والمطلوبين لن تقتصر على من تم إيقافهم، فهناك آخرون يجري التحقق من صحائف أعمالهم، ومراجعتها، وهناك ملفات أخرى سوف يتم فتحها وإخضاعها للمراجعة، لمعرفة مدى مطابقتها للمتطلبات القانونية.

إلا أنه بغض النظر عن نتائج التحقيق والمحاكمات، فإن القرار الأخير وما تبعته من إجراءات يستمد أهمية كبرى لأسباب كثيرة ومتعددة، في مقدمتها أنه تكريس لدولة القانون، وفق المعايير الدولية، وتفعيل أنظمة مكافحة الفساد، وتحذير الذين ربما تراودهم أنفسهم بسلوك ذات الطريق المظلم بأن يد العدالة سوف تطالهم لا محالة، وأنه لا كبير على القانون، ولا حصانة لمرتش، ولا حماية لفاسد. كما أن هناك أثرا إيجابيا آخر على تلك القرارات هو أنها سوف ترفع مكانة المملكة ضمن تصنيف منظمة الشفافية الدولية، وتجعلها من الدول التي تتبوأ مراتب أرفع، وهذا سوف يسهم بدوره في زيادة جذب الاستثمارات الأجنبية لبلادنا، بهدف دعم الاقتصاد. والشعب السعودي يدرك جيدا أن الصفحة الجديدة التي فتحتها القيادة الرشيدة سوف تضم خلال المستقبل القريب سطورا مشرقة تشمل تعزيز قيم النزاهة في كافة المرافق الحكومية، وتؤدي إلى تسريع محاربة الفساد بكافة أشكاله، ولن يجرؤ بعدها أحد أن يمد يده إلى المال العام، أو يختص لنفسه أو أقاربه بأي مصلحة أو منفعة.

وهناك جانب في غاية الأهمية أيضا يتمثل في علاج أسباب تعثر الكثير من المشاريع التي صرفت عليها الدولة مئات المليارات، لخدمة المواطنين، ولا زالت متوقفة دون أن تتضح أسباب ذلك التعثر. فهناك مستشفيات لم تكتمل، ومدارس لم يجد الطلاب لها سبيلا، وطرق لم يتم تنفيذها وفق الأسس والشروط والمقاييس المعتمدة، مما تطلب إعادة تنفيذها عشرات المرات. وكل ذلك وجه من أوجه الفساد التي سيتم كشفها ومعاقبة المسؤولين عنها.

بلادنا تستشرف واقعا جديدا، وتسابق الزمن لاختصار مسافات شاسعة، وإن كان تركيز ولاة أمرها منصبا خلال الفترة الماضية على تحقيق الازدهار الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، إلا أن هناك جوانب أخرى يجري العمل فيها جنبا إلى جنب، مثل تعزيز قيمة الشفافية والقضاء على الفساد، وهذا يستلزم دعم اللحمة الوطنية، وزيادة الإحساس بالانتماء إلى هذا الوطن العظيم، الذي نزداد قناعة في كل يوم أنه يستحق أن نفديه بدمائنا وأبنائنا وكافة ما نملك.