تعيش المملكة العربية السعودية ظاهرة جميلة حالمة تاريخية في تفاصيلها، وهي باختصار نفض الغبار العالق منذ سنوات طويلة، وتغيير مسلمات ما أنزل الله بها من سلطان، قامت على اجتهادات شخصية وأوضاع اجتماعية مختلفة عن العصر الحالي، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قيادة المرأة للسيارة وانخراط النساء بدورهم المجتمعي بدلاً من تصنيفهم (بأرباع) وأنصاف عقول، كأن البعض يصف دجاج (مجمد) بدلاً من بنات حواء الكرام، طبياً يترقب الممارس الصحي بشغف حلولاً سريعة وواقعية لبعض العقبات غير المنطقية التي تم توارثها منذ عشرات السنين ومنها عمل الطبيب السعودي الجزئي بالقطاع الخاص، في بلد لا يمثل الطبيب المحلي فيه أكثر من 18% من مجموع الأطباء، وفي وقت نجد أن المملكة نجحت في الاستثمار بالطاقم الطبي السعودي عبر استراتيجية الابتعاث خلال ربع القرن المنصرم، الذي أخرج وأنتج آلاف الأطباء من ذوي التدريب العالي، وانعكس ذلك إيجابياً على التدريب الطبي السعودي ذي القيمة العالية التي تتفوق على الكثير من الدول العالمية، وتضاهي التدريب في أميركا وكندا وبريطانيا، ورغم ذلك النجاح لكن الأنظمة البيروقراطية عجزت عن الاستغلال الأمثل لمثل هذه الكفاءات.
في جميع دول العالم من حق الطبيب وغيره من المنتجين كالمهندس والمحامي استثمار أوقات فراغه بالعمل النافع له شخصياً وللمجتمع عموماً، لنأخذ النظام الأميركي والكندي مثلا، فالطبيب يحتاج رخصة مزاولة مهنة ومن ثم يستطيع العمل أين ما شاء وبأكثر من منشأة وبقطاعات مختلفة وبذلك يصبح الطبيب أكثر حيوية وإنتاجاً ويكافأ حسب إنتاجيته وعطائه، محلياً عجزنا عن (شرعنة) عمل الممارس الصحي السعودي بالقطاع الخاص، وكأن المستشفيات الخاصة تعمل بكوكب (المريخ) وتعالج أبناء (عطارد) وليس أبناء هذا الوطن الغالي، ورغم صدور الأمر الملكي رقم (1879/م ب) بتاريخ 10 ربيع الأول 1427 بالسماح للكفاءات الصحية للعمل خارج أوقات الدوام بضوابط معينة، إلا أن هذا الأمر الملكي لم يتم تنفيذه حتى اليوم.
هناك مقولات خاطئة عن (الطبيب) السعودي، ومنها أن البعض يعمل عمليات بالخاص ويعطلها بالمستشفيات الحكومية، ويجب معرفة الكثير من المعوقات الإدارية بالمستشفيات الحكومية، وأهمها عجز الجراح عن الحصول على أكثر من نصف يوم عمليات بالأسبوع (لكثرة الجراحين وقلة غرف العمليات)، وهذا سبب تكدس جدول الجراحين بالقطاع الحكومي بينما بمستشفيات (المريخ) فيتم توفير الوقت والمكان لإجراء العملية بدون تعقيد، وذلك للحصول على العائد المادي المطلوب، وهناك الكثير من التخصصات الأخرى غير الجراحية التي يحتاجها كوكب (المريخ) لرفع مستوى الجودة الطبية ويوجد ما يكفي من الأطباء السعوديين لإنجاز هذه المهمة.
يحتاج الممارس الصحي السعودي إلى قرارات تاريخية للاستفادة منه ومنها:
1 - السماح بالعمل بالقطاع الخاص خارج أوقات عمله الرسمية
2 - فرض رقابة صارمة وعقوبات مشددة في حال تسرب الأطباء خلال أوقات عملهم
3 - الاكتفاء برخصة العمل الصادرة من الهيئة السعودية للتخصصات الصحية لتسهيل العمل بالمنشآت الخاصة، تماشياً مع رؤية 2030 بدعم الخصخصة بالقطاع الطبي.
ونأمل من القيادة (المتوهجة) بالقطاع الصحي محاولة حل تلك الإشكالية المزمنة، وبإذن الله لن نسمع عن حملات التفتيش المفاجئة التي تؤدي لهروب الأطباء من الأدراج الخلفية للمنشآت الطبية، (ولا جناح على المفتشين لأنهم منفذون وليسوا مشرِّعين للنظام)، وقد يكون هروبهم ركضاً أحد أسباب (العج) الذي اشتهرت به المدن السعودية، وحتى يتم تفعيل الأمر الملكي الكريم اقترح على الأطباء زيادة لياقتهم البدنية والتسلح بـ(البوت) الرياضي عند العمل بمستشفيات (المريخ).