ربما يجهل الكثيرون تاريخ هذا الوادي الذي كان يحار فيه الماء وتستقر فيه الخضرة والجمال، والذي سكنته قبيلة العزة من سبيع منذ القرن الثامن الهجري، ودارت فيه معارك، وابتدأت منه معارك كانت جزءا لا يتجزأ من تاريخ توحيد المملكة وعزتها، وربما وجود السجن فيها يشير إلى انتصار في معركة أخرى أي معركتنا مع الإرهاب.

من بعيد يبدو سجناً عادياً لكن الشباب الذين يديرونه يحدثون الفرق بعملهم وأسلوب حديثهم الذي تستشف منه الغد أكثر من اليوم.

أعجبني في الفريق الذي يدير الإصلاحية أن أكبرهم ربما لم يصل إلى الأربعين بعد، ومن بين جملهم تجد كلمات مثل تأهيل، إنسانية، لا ذنب للزوجات في خطأ الأزواج، أسرهم مهمة.

تجتمع تلك العبارات في ذهنك وأنت تتنقل بين أروقة الإصلاحية الكبيرة وتقابل شباباً صغاراً يحطم قلبك أنهم سقطوا في فخ الإرهاب أو الجريمة ضد الوطن، لكن بين تلك الأقسام والمنشآت والعيادات التي تتضافر لمنح هؤلاء فرصة التعلم من التجربة والتغيير قبل انتهاء محكوميتهم يبرز في مخيلتك وجوه أبناء شهداء الواجب، وكأنما يشعر بك أحد نزلاء الحاير فيقول وفِي عينيه حزن ما، لقد ذبحنا أضاحي هذا العيد ونوينا أجرها لشهداء الواجب، صمت للحظة وأنا أتذكر بدويا غادر خيمة في نفود نجد تاركاً أما وثلاث شقيقات واعدا قلوبهن بحياة أفضل بعد انضمامه للعسكرية ووقف حارسا على أحد منشآت البترول، وفِي فجر هادئ وقف عند نقطة تفتيش، وقفت أمامها سيارة ما تقدم هو وانحنى على قائدها مبادرا له بالسلام كأي مسلم يمتلئ قلبه بالإيمان ليرد عليه الإرهابي بتفجير المركبة، ويهلل رفاقه في التسجيل الله أكبر.

تلك الحادثة عاشت معي كثيرا وأرقتني دائما، ولم تترك أي مساحة للتعاطف مع هؤلاء في قلبي، لكن أظن الجندي الشهيد يطل علينا من جنان الله ليقول لقد خسرنا رجلاً ذهب إلى النار في الدنيا والآخرة، فلا تخسروا هؤلاء.

أنا على يقين أن شهداء الواجب الذين رحلوا يرغبون أن نضاعف جهودنا لحماية الشباب من الوقوع في الإرهاب، ومواصلة السعي لتغيير هؤلاء المدانين بعقوبات ستنتهي، وسنصير ملزمين بخروجهم، لذا كل برنامج يهدف إلى إصلاحهم يجب أن ندعمه. لكن أظن شهداء الواجب يسألوننا أيضا عن أبنائهم وزوجاتهم هل مدت إليهم يد أكرم من اليد التي مدت لنزلاء الحاير؟ هل هناك برامج رعاية لأسرهم؟ هل هناك متابعة نفسية واجتماعية ومبالغ تصرف لتعليمهم؟ هل يحصل أطفالهم على مميزات في الدخول إلى الجامعات والابتعاث والتوظيف أم نسيناهم؟ وهم الذين فقدوا عائلهم في مهمة حماية هذا الوطن وحفظه؟

ليس لدي معلومات كافية حول ذلك وتملؤني عشرات الأسئلة لوزارة الداخلية تنتظر إجابات عن هؤلاء، وماذا فعلت لهم وهم أبناء منسوبيهم وزوجاتهم وأسرهم. إن كل يوم يستيقظ فيه ضابط أو جندي لحمايتنا يجب أن يستيقظ فيه مدني لتأكيد مسؤوليتنا عن كل ما هو مسؤول عن هذا الضابط والجندي في الأمن أو في الجيش.

أود كما رأيت الاهتمام بالمدانين وعوائلهم أن نجد ما يفوقه أضعافا مضاعفة لأسر شهداء الواجب، ولا أعني به الحفلات السنوية والاحتضان في اليوم الوطني فقط، بل مميزات تقدمها الجامعات والوزارات والضمان وغيرها، وألا نجعل أحدا منهم يشتكي أبدا.