في أحد الأزمنة السحيقة، أثناء عملي في أحد مستشفيات المنطقة، تردد على مكتبي وكيل آسيوي لمقاول سعودي، من الذين كانوا يسعون وقتها، للفوز بصفقة مع الشركة المشغلة للمستشفى التي كنت أعمل فيها. ومنذ اجتماع الشركة مع المقاولين، وهو يلمح بأنه سيبذل أقصى جهده، لكسب هذه الصفقة الذهبية. مع أن إدارتنا كانت قد وضحت لشركته، بأن مواصفات النظام الإلكتروني الذي عرضوه، لا يطابق المواصفات التي يحتاجها المستشفى في نظامها الجديد. بعد يومين من اجتماع الشركة المشغلة مع المقاولين، دخلت مكتبي لأجد الرجل الآسيوي، يجلس بكل ثقة داخله، وعندما سألته عن سبب تواجده، برر بأنه كان قريبا من المستشفى، ففكر بأن يحضر بعض الشطائر والقهوة، لنفطر معاً!

لم أصدق ما تفوه به، واعتقدت بأني تخيلت ذلك، فطلبت منه أن يكرر ما قاله، فأعاده بكل وقاحة، فطلبت منه أن يحمل شطائره ويغادر فوراً، قبل أن أطلب له الأمن ليخرجوه مع شطائره أمام الجميع.

بعد ذلك الموقف بأسبوع، أطل نفس الوكيل برأسه، من باب المكتب، راسماً ابتسامة عريضة سامجة جداً على وجهه، توحي بأن هناك أمراً مهماً على وشك الحدوث. فقال إن رئيسه صاحب شركة المقاولات، يرسل سلامه، ويشكرني على العرض السابق الذي قدمته، في اجتماع الشركة مع المقاولين ذلك اليوم. وكلفه بتوصيل هدية متواضعة، آملاً أن تنال إعجابي، فدفع الباب بيده ودخل دون أن أسمح له، والسعادة تقفز من وجهه بشكل مبالغ به، ليضع على مكتبي صندوقا لهاتف خلوي جديد من سامسونج، كنت أراه يُعرض كثيراً في التلفزيون في دعاية للمطربة أصالة في ذلك الوقت. وصندوق آخر لكمبيوتر ديل المحمول. أتذكر جيداً كيف شعرت بالإهانة، وكيف تسارعت دقات قلبي، وشعرت باندفاع الأدرينالين يتدفق في رأسي حتى تورمت من الحنق، لأنفجر وأطرده بعصبية، محذرة ألا يأتي إلى مكتبي مرة ثانية.

في ذلك اليوم، كتبت شكوى، وأرسلتها بالبريد الإلكتروني إلى رئيسي المباشر، منذ بداية يوم الشطائر، إلى الجوال والكمبيوتر المحمول، وانتظرت أن يطلبني فلم يفعل. في اليوم التالي قررت الذهاب إلى مكتبه، أستفسر إن قرأ رسالتي، وأخذت أشرح له تفاصيل ما حدث، ولأنه يعد رشوة، رفعت إليه الأمر. فضحك ضحكة رقيعة ساخرة،

ما زلت أتذكرها جيداً قائلاً، «أي رشوة الله يهديك». ثم أكمل تعليقه بأن الرؤساء لا يفضلون الموظف الذي تأخذه الحماسة، ويحبون تضخيم الأمور، فلو كانت الهدية سيارة مرسيدس أو رولز رايس أو حساب بنكي، ممكن أن يعدها رشوة. لم تصدمني ردة فعله كثيرا، وتذكرت ما فعل منذ سنتين، حين حاول دفعي إلى تغيير بعض الأرقام الخاصة بالتقرير الشهري، قبل رفعه إلى المدير العام، وحين رفضت، وصرحت بأن ذلك يعد تزويرا في أوراق رسمية، اتهمني بأنني موظفة عنيدة وغير مرنة، وكثيرا ما أسبب له المشاكل. أعدت أحداث ذلك اليوم في ذهني، وهو مازال مسترسلاً في محاضرته يُعلمني، الفرق بين المرونة والنزاهة في العمل، وأهمية عدم الخلط بينهما!

بعد أسبوع من ذلك الموقف، دخل مكتبي صاحب شركة المقاولات بنفسه، قائلاً إنه أتى بنفسه ليعتذر، ويصلح الأمور، بعد أن أفسدها وكيله. رفع الطرف الأيمن لغترته، وألقاه وراء كتفه، ثم أردف إن لم تعجبني الهدية، هناك خيارات أخرى، ودفع على المكتب أمامي كتالوج وهو يبتسم بخبث، ثم أخرج سبحة، أخذ يفرك حباتها بين أصابعه. شككت في نفسي، وفيما أرى وكدت أن أتراجع عما أعتقد، خاصة أن رئيسي لا يرى أن كل هدية رشوة، دفعتني حالة الذهول والحيرة التي انتابتني، إلى أن أصمت فترة، كنت أفكر ماذا أفعل، هل اتصل برئيسي، أم أختار من الكتالوج ما يعجبني. حين طال السكوت قليلاً، وضع بطاقة ائتمانية، وطلب مني أن أكون كريمة مع نفسي في استخدامها، فهم عادة يمنحون تلك الهدايا الخاصة، للعملاء المميزين فقط، كانت تلك العبارة، ما أكدت لي أن ما قدمه ليس إلا رشوة مع سبق الإصرار، فألقيت ما وضعه على المكتب، وطردته بكل عزة وأنا أشعر بالفخر. فبدلاً من أن يغادر، ويلملم كرامته التي أهدرتها للتو، وقف في الممر أمام المكتب رافعاً صوته، معبراً عن استيائه ورفضه لهذه المعاملة غير الحضارية، فحضر على صوته رئيسي المباشر، وأخذ يعتذر منه ويهدئه طالباً منه أن يرتاح في مكتبه!

في اليوم التالي، استدعاني الرئيس ليوبخني، ملقياً على رأسي خطابا فلسفيا طويلا مفاده، ينبغي أن تكون النوايا صافية، ولا أجعل العواطف تتحكم بي، ثم أخرج من درجه قلاّمة أظافر، وسحب حاوية القمامة، وأخذ يقلم أظافره بكل صفاقة، مكملاً حديثه. طلت من الحاوية، علبة هاتف سامسونج التي كانت على مكتبي منذ أيام، فنقلت عيني في المكان، لأجد الجوال الجديد يرقد بجوار جواله القديم على المكتب. فأشرت إلى الهاتف «هذه الرشوة»، فقال لا هدية..، فخرجت من مكتبه غاضبة.

في اليوم التالي، تداول الموظفون خبر نقلي بتهمة التطاول على الرئيس.