بداية لا بد أن أسجل سروري البالغ بما ترشح عن الاجتماع الأخير، في الأسبوع قبل الماضي في القاهرة، للجنة التنسيقية المشتركة بين وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد في المملكة ومشيخة الأزهر الشريف؛ والذي جاء مبشرا باستمرار العمل الجاد الذي بدأته الهيئتان المؤثرتان، في الرياض، قبل أكثر من عام، وتحديدا
في 8 /1 /1438هـ؛ وأقصد فضح الأفكار المتطرفة، وحماية العقول من الانخداع بالأطروحات المضللة، وما من شك في أن هذا التنسيق واستمراره بهذا الحماس يمثل قوة ناعمة ضد الهجمات التي تستهدف تمزيق لحمة الأمة الواحدة، ويرسم خطة عملية لمن كان همهم صناعة العقول النظيفة، وحمايتها من الاستجابة للمخربين، والداعين إلى التمرد على كل جميل في الدين والدنيا معا.. المقدمة السابقة فرضت نفسها بنفسها، وخصوصا بعد أن سنحت لي فرصة حضور الملتقى العالمي الثالث، بين الشرق والغرب، الذي نظمته في العاصمة الإيطالية، الثلاثاء الماضي، جمعية سانت إيجيديو الكاثوليكية؛ هناك في روما، وعلى بعد عدة أمتار من مركز القيادة الروحية للكنيسة الكاثوليكية، أعلن فضيلة الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين، وضمن سعيه الحثيث على تشجيع الحوار الحضاري بين الناس أجمعين، بغض النظر عن لون أو دين أو جنس؛ ما لا يستطيع الكثرة إعلانه، أو حتى الإشارة إليه، ومن ذلك قوله بالنيابة عن الشعوب المقهورة التي عانت من سياسات التسلط والهيمنة والتهجير القسري، وبالوكالة عن الضعفاء والفقراء والأرامل والأيتام: «أنا معهم هنا، في قلب أوروبا أقول: لا، وألف لا، بل من حقنا أن نُطالب بتصحيح المسار، وبنصيبنا وحقّنا في السلام الذي حُرمنا منه»، مؤكدا على أن الأهداف المبيتة والمدروسة جعلت المسلمين ضحايا للإرهاب، والذين يدفعون ضريبته أكثر من غيرهم، معربا بوضوح عن قناعته بالحاجة إلى حوار بين الأديان وبين الحكماء، مخافةَ السقوط مرة أخرى في فترات العنف والظلام، مؤكدا على ضرورة تحمُّل مسؤولية الدماء التي سُفكت في الماضي وتُسفك في الحاضر، وأن الأديان الإلهيَّة الموحى بها من الله تعالى على أنبيائه ورسله لا يمكن أن تكون سببًا في شقاء الإنسان، وليس في متون الأديان ولا في نصوصها المُقدَّسة ما يدعو إلى سفك دماء الناس، وليس في سلوك الرسل والأنبياء ما يُفهم منه أنَّ سفك دماءَ الحيوانات حلال، فضلا عن دماء الآدميين..
اللقاء العالمي كان مؤصلا بامتياز للقناعة الكاملة، لمن له عقل رشيد من الناس أجمعين؛ بأن تسييس الدِّين، وتوظيفه، واستغلال رجاله لتحقيقِ المطامع والأغراض هي آفة الآفات، وأن احترام عقائد الناس، والتسليم لهم بأديانهم، وتمكينهم من أداء شعائرهم، وتوفير ما يلزمهم لممارستها؛ أدوات لازمة لنشر فكرة السلام بين البشر، وترسيخ قيَم التعايش المشترك، وبث ثقافة حوار الحضارات والمذاهب والأديان والثقافات.