«نحن في سباق مع الزمن، إما أن نقتل التخلف أو يقتلنا التاريخ» غازي القصيبي.

ما الذي يجمع بين الصحوة والتخلف، والأراضي والعقار والفساد. عوامل متفرقة بعضها محسوس، وبعضها فكري، فما الرابط الذي يجمعها؟

قد تستغرب أن الترابط بينها وطيد أكثر مما كنا نعتقد!. هناك علم يسمى علم الاجتماع الاقتصادي، وهو يدرس العلاقة والتفاعل بين حركة المجتمع والاقتصاد.

عندما بدأت الصحوة في نهاية السبعينات، كانت ضعيفة شكلا ومضمونا، وبعض أفكارها من السهل تفنيدها لأنها ضد الطبيعة البشرية، لذلك أرادوا بناء جدار فكري عازل، فأسست قاعدة، رفض كل جديد حتى يثبت العكس، أي فكرة جديدة تعدّ باطلا تلقائيا إلى أن تتم رؤيتها وتوسعها بطريقة عفوية، وقاعدة أخرى اسمها لا تجادل ولا تناقش

أو بمعنى «أجّرْ عقلك»، هذا الفكر الاجتماعي أثر على الفكر الاقتصادي والعلمي والإجرائي للبلد، سواء عن قصد أو خلال تأثير إيحائي!

وكمثال، لماذا رُفض الإنترنت في البداية، وكان من يُحضِره إلى بيته كأنه يرتكب جريمة، والجوال أبو كاميرا، وحتى الجوال العادي كان الصحويون يصدرون تعليمات أن يكون فقط لرب العائلة «الرجل»، والقنوات الفضائية كان يُطلب من بعض النساء في بعض البيوت أن تدير وجهها إلى الجهة الأخرى، وكانت الصحوة عدوا لكل جديد بغض النظر عن «ما هو»، وهذا الفكر امتد إلى الشأن الاقتصادي والتجاري قصدا أو عن غير قصد!

أتت فكرة الاتجار بالعقار والأراضي، ومرت على السعودية عدة موجات كان من الممكن أن تدخل صناعات ومجالات اقتصادية جديدة تنوع الاقتصاد، لكن كانت تُرفض وتُعرقَل، وكانوا يقولون «العقار لا يمرض ولا يموت»، وفي الحقيقية كان هناك خوف اجتماعي من أي نشاط جديد أورثته عقلية الصحوة لعقلية التجار، حتى لو لم يكونوا صحويين، فكيف يعقل أن بلدا كقارة، كما يُدرس في كتب الجغرافيا، لا يستطيع المواطن أن يجد أرضا لبيته، بضع مئات من الأمتار، حتى على المستوى البيروقراطي الحكومي كان هناك إيحاء أو شبه غسيل دماغي بيروقراطي لرفض التطور والجديد، حتى الاقتصاد الحكومي كان هناك تخويف من الجديد، فكانت المعاملات البسيطة تستغرق أشهرا، لذلك بقي الاعتماد على النفط رغم الخطط الخمسية لتنويع الاقتصاد، ولم يكن هناك سعي حقيقي إلى تنويع الاقتصاد، وحتى في الأزمة العالمية 2008 عندما خسرت كبرى الشركات الكبرى في العالم وبيعت بثمن بخس، لم تتجرأ عقلية رفض الجديد من محاولة اغتنام الفرصة، وشراء شركات تقنية عظيمة بأسعار رخيصة لدرجة خرافية.

طبعا كان الفكر الاجتماعي والاقتصادي مغيبا بالصحوة، فزادت البيروقراطية والفساد، ومعروف أن البيروقراطية هي أوسع أبواب الفساد، وتفشت المحسوبية وزاد الفساد الإداري، وتمكن من المناصب من هم ليسوا أهلا لها، وزاد الفساد المالي وصار البلد شبه إقطاعيات، وصار بعض الشعب كالقطيع للصحوة، وهم عن جهل يعتقدون أنهم ينصرون الدين.

يقول ابن خلدون «الفتن التي تختفي وراء قناع الدين، تجارةٌ رائجة جدا في عصور التراجع الفكري للمجتمعات»، وهذا ما حدث في السعودية اجتماعيا واقتصاديا.

لست أضع كل مشكلات البلد على الصحوة، ولست أركب موجة نقد الصحوة، فموقفي معروف منذ سنوات من جماعات الإسلام السياسي بكل أوجهها.

كي تتطور المملكة يجب أن تدمر فكر الصحوة، وفكر محاربة الجديد في كل المجالات. تكلمنا سابقا كيف كنا نعاني في إقناع الجهات في السعودية في قبول الذكاء الصناعي والروبوتات، إلى أن جاء مشروع سمو ولي العهد «نيوم» وشجعها وتغير التفكير، فيجب أن تكون بلادنا مكانا لقبول الأفكار الجديدة الإبداعية، وليس من المعقول أن كل فكرة يجب أن يطرحها سمو الأمير محمد بن سلمان. هو مشكورا فتح وشجع الطريق للإبداع، وعلى السعوديين أن يكملوا المسيرة، ويكونوا مكان جذب للأفكار والتقنيات والأنشطة الجديدة، نحتاج «سيلكون فالي» سعودي يقبل كل شيء جديد مبدع، بتشجيع من جميع أجهزة الدولة.

يجب تحويل عقلية التراب إلى إبداع، يجب هدم عقلية التراب والعقار، وتحويلها إلى أنشطة أخرى، ويجب اقتلاع الفساد الإداري المستشري.

ودون مبالغة، فحوالي 70% من المناصب الإدارية يشغلها أناس ليسوا على قدر حجمها، وعقلياتهم لا تتماشى مع فكر 2030 والإبداع والتغيير. إدارة عملية التغيير موضوع كبير جدا في علم الإدارة، له نظرياته وخطواته، إن الفساد الإداري والمحسوبيات على القدر الكبير نفسه في هدم الأوطان، كما الفساد المالي، وكما تم ضرب الفساد المالي مؤخرا بقوة، ومن أعلى الدرج، فنحتاج ضربة قوية قاصمة للفساد الإداري.

إن وضع الأشخاص غير المناسبين والمحسوبيات في مفاصل الدولة كان تاريخيا إحدى الخطط لإعاقة المجتمعات.