إن تحقيق التوازن في متطلبات النفس البشرية بجوانبها المختلفة، العقلي منها والبدني والروحي، يعتبر ضرورة لاستمرار الحياة في مسارها الطبيعي ونسقها السليم، ويأتي الترويح ليحقق التوازن بين تلك المتطلبات، خاصة في حالة تغلب جانب على الآخر، وذلك كثيرا ما يحدث لصعوبة فرض المساواة أو التناسق بين متطلبات النفس البشرية والتزامات الإنسان المرتبطة بظروف حياته وطبيعة عمله ومسؤولياته المختلفة التي يتحملها والتي قد ترجح فيها كفة على أخرى، ولكن جميع هؤلاء يحتاجون إلى فسحة وفاصل مختلف في مضمونه عن تلك المتطلبات الأساسية التي ترسم نظام حياتهم وتوجه مسارها نحو تحقيق حاجاتهم المختلفة فتأسرهم في محيطها، ويسهم الترويح في إكساب الإنسان راحة نفسية بالإضافة إلى خبرات ومهارات وأنماط معرفية مختلفة ومتجددة، كما يسهم في تنمية التذوق والموهبة ويهيئ الفكر للإبداع والابتكار، والذي يؤدي بدوره وبطريقة غير مباشرة إلى إبعاد أفراد المجتمع عن التفكير السلبي في سلوكيات وأفكار قد تؤدي إلى كوارث مجتمعية نتيجة الكبت والضغط النفسي المتواصل، خاصة في عصر تراكمت فيه التحديات والإشكالات المختلفة، والتي تشكل بحد ذاتها ضغوطا مضافة إلى الرصيد النفسي المشحون بمتطلبات الحياة ومستلزماتها.

وبالإشارة إلى قرار وزارة التعليم المتضمن إلغاء إجازة نصف الفصل الدراسي والاكتفاء بأسبوع إجازة فقط بين الفصلين الدراسيين، وذلك على إثر استطلاع رأي لأولياء الأمور نشرته الوزارة عبر برنامج «نور» الخاص بالتعليم العام، والذي تضمن طرحها أربعة نماذج لتنظيم الإجازات، وقد تمت الإشارة إليه عبر وسائل الإعلام، فإننا نتساءل عن نتائج ذلك الاستطلاع الذي لم ينشر بشفافية ليعلم به الجميع قبل التنفيذ الفعلي له؟، والاستفسار المطروح لوزارة التعليم، هل يُغَيب في هكذا استفتاء باقي شرائح المجتمع، خاصة الشريحة الأهم وهم المعنيون بتلك الإجازات بشكل خاص من الطلاب والطالبات بمختلف مستوياتهم التعليمية من جهة، والتربويين العاملين في قطاع التعليم بمختلف درجاتهم المهنية من جهة أخرى؟!، وأين هم الأكاديميون وطلاب الجامعات من ذلك الاستطلاع؟! كيف يشملهم قرار التنفيذ وهم لم يشاركوا برأيهم حول ذلك؟! وهل جَزمت الوزارة بأن إلغاء الإجازة هو الأفضل بناء على ما توصلت له في قرارها؟! السؤال الذي يطرح نفسه بديهيا لماذا لم تعوض الوزارة تلك الإجازة المستلبة بزيادة مدة الإجازة بين الفصلين الدراسيين على الأقل؟!، ومن جهة أخرى نتساءل ما توجه الوزارة وخطتها نحو إجازة الصيف الطويلة التي تضيع هباء منثورا دون توجيه المدارس ومراكز التعليم المختلفة التي تنضوي تحت مظلة الوزارة لتتحول إلى مراكز صيفية تضم أنشطة مختلفة ينتفع بها الطلاب والطالبات ؟!، وهل يعقل أن تعالج الوزارة مشكلة الغياب عند منسوبي التعليم من الطلاب والهيئة التعليمية بإلغاء إجازة نصف الفصل الدراسي؟! لماذا لا تكون هناك ضوابط رادعة ونظام نافذ تطبقه جميع الجهات التعليمية بخصوص الغياب قبل الإجازات وبعدها؟!

لا ننكر أننا -بفضل الله- لدينا عيدان مباركان تمنح فيهما الإجازة رسميا من الدولة لسائر القطاعات حسب نظام العمل فيها، حيث إن تلك الأعياد أصبحت ضمن الإجازة الصيفية، فهي بالتالي لا تحتسب ضمن الفصل الدراسي الفعلي، وعليه فإن وجود إجازة منتصف الفصل الدراسي مهمة جدا لجميع منسوبي التعليم، بل ولذويهم، لما تتضمنه من تغيير في نمط الحياة الرتيب وتحول عن النظام الجاد والروتين اليومي في الدراسة، ولا يفترض ذلك بالطبع السفر أو غيره، فذلك مرهون بظروف الأفراد، وإنما الهدف أنه فاصل زمني ترويحي بسيط يتيح للنفوس استعادة نشاطها وبهجتها ويمكن العقول من الاستمرار في العطاء والاستيعاب الأفضل، من خلال التحفيز غير المباشر بما يولد الإبداع والتميز والجودة في الممارسة العلمية، وفي ذلك السياق قال عليه الصلاة والسلام حينما سأله حنظلة عن انشغال الناس بأمور الدنيا عن الدين بعد انتهاء لقائهم معه، قال «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» ثلاث مرات.

ومن المعروف أن معظم دول العالم تتمتع بالكثير من الإجازات خلال العام الدراسي لمناسبات مختلفة ترتبط بثقافاتها وحضارتها، وإن كانت لا تتعدى بضعة أيام أو أقل، غير أن تلك الإجازات يتم الاهتمام بها مجتمعيا ورسميا، وبما ينعكس على التحام وطني وشراكة مجتمعية لمناسبات تجمعهم في فعاليات يحتفون بها على اختلافها، ويتفاعلون معها بصور وأشكال متباينة تُجدد النشاط والبهجة في نفوسهم، كما تحفز العقول لاستمرارية الإبداع، وفي ذلك مؤشر ملموس ونموذج متقدم لأهمية الأخذ والاستفادة من تجارب الآخرين في أمور أثبتت جدواها دون حاجة بنا إلى ابتداع قرارات وأنظمة لا تتفق معها معظم النفوس البشرية، بل والنظام العالمي السائد، وإذا كان شهر رمضان الكريم يعتبر معضلة، كما يراه البعض في استمرار الدراسة فيه، فإن ذلك سيحصل قريبا مع تغير الفصول المناخية، وقد حصل ذلك سابقا في سنوات خلت ولم يكن بتلك الإشكالية التي يتوهم البعض صعوبتها وتعقيدها إذا ما تم تنظيم الدوام الدراسي فيه.

وعليه نأمل من وزارة التعليم إعادة النظر في قرار الإجازات المستحدث بما يضمن الفائدة للجميع، وبما يجعلنا نواكب العالم فيما يناسبنا من أنظمة وتشريعات، كما نأمل وضع خطة تربوية مدروسة في الإجازات الصيفية لتأهيل المدارس والجامعات لتكون مراكز صيفية يستفيد منها الطلاب وغيرهم من شرائح المجتمع المختلفة، بما تقدمه من برامج ومبادرات مختلفة تسهم في تأهيل وتمكين مختلف الطاقات الشابة بمهارات وقدرات متنوعة تتلاءم مع اختلاف ميولهم واتجاهاتهم بما يستثمر أوقات فراغهم المهدرة، وبما يخدم تأهيلهم لتحقيق مسيرة التنمية الطموحة وتطلعات الرؤية المستهدفة.