يُقسم كل من نال ثقة الملك في ولاية أو إدارة أو وزارة قائلا: أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصا لديني ثم لمليكي وبلادي، وألا أبوح بسر من أسرار الدولة، وأن أحافظ على مصالحها وأنظمتها، وأن أؤدي أعمالي بالصدق والإخلاص والأمانة، وهو قسم عظيم، ليس المقصود مجرد النطق به، وإنما العمل بما تضمنه، هذا القسم يسمعه الراعي والرعية، وتقشعر لهوله جلود أهل الإيمان، يقول الله تعالى: (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)، مع أن من جعل مخافة الله نصب عينيه، سيقوم بأمانته على أكمل وجه، ولو لم يُقسم بالله، لكن هذا القسم عهد مؤكد، وقد قال تعالى: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا)، فما أعظم خسارة من أعطى بالله ثم غدر، فحسبُه أن الله خصمه يوم القيامة، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمَه خصمتُه، رجل أعطى بي ثم غدر...)، فيا ويح من خان أمانته، وتخوَّل في مال الله بغير حق، لقد توعده رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالنار فقال: (إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة) رواه البخاري.
بل وتوعد رجلا جاهد معه لأنه أخذ شملة -وهي قطعة كساء- لم تُصبْها المقاسم، وقال عليه الصلاة والسلام:(إنها تشتعل عليه نارا) يا لطيف، هذا رجل جاهد تحت راية نبينا محمد، عليه الصلاة والسلام، أخذ من بيت المال قطعة قماش، هذا جزاؤه، تشتعل عليه نارا، لم يشفع له أنه جاهد مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا دعوى أن له حقا في بيت المال، يجيز له أن يأخذ منه ما شاء، كما يتوهم بعض أهل زماننا، فكيف بمن يلتهم الريالات والآلاف والملايين بغير وجه حق، وأحيانا يُشرعنها بحيل تزيد في الإثم، فاللهم سلِّم سلِّم.
وما أعظم الفرق بين من يتطلع للولايات ويستشرف لها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وبين من ليس كذلك، فالأول غالبا يريد الولاية غنيمة ووجاهة، فلا يعينه الله، والآخر يريد أن يخرج من الدنيا كفافا ناجيا من تبعات الأمانة، فيعينه الله إذا جاءه التكليف من غير مسألة واستشراف، يدل على ذلك الحديث المتفق على صحته، يقول النبي -عليه الصلاة والسلام- عن هذه الولايات: (فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها)، ولهذا كان رسول الله لا يولي من طلب الولاية أو استشرف لها، وكان يقول: (إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه، ولا من حرص عليه)، وكنت كتبتُ قبل عام مقالا في هذه الصحيفة (الوطن) عن أهمية حفظ المال العام، وأيضا كتبت بعده عن مكافحة الفساد، وذلك لأن ديننا ونظام الحكم في بلادنا ومناهجنا، كلها تؤكد على النزاهة والحذر من أكل أموال الناس بالباطل، فلماذا يستحل (بعض) المجتمع -وأرجو أنهم قلة- محارم الله بأدنى الحيل، سواء كان ذلك بالبراطيل أو بغيرها؟ هذا أمر غير مقبول، فنحن نؤمن أننا مبعوثون ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، ذلك اليوم هو الذي يجب أن يضرب له العاقل حسابا، ويراقب الله، فلا يأخذ ما لا يحل له، وإن كان قضيبا من أراك، أو كان مُغلفاً بلجان وتوقيعات، فهو أعلم بالحرام وإن أفتاه الناس وأفتوه، وإذا كان حكم القاضي ببراءة شخص لا ينجيه عند الله إن كان يعلم عن نفسه أنه كاذب ومراوغ، فكيف بمن يُشرعنون الفساد، ليكون منظما؟
ولا يليق بمسلم أن يفعل فعل اليهود الذين وصفهم الله بقوله: (أكَّالون للسحت)، والسحت: هي البراطيل: أي: الرشوة، وأصل البرطيل -كما يقول ابن تيمية- هو الحجر المستطيل سميت به الرشوة لأنها تلقم المرتشي عن التكلم بالحق، كما يلقمه الحجر الطويل، وإذا دخلت الرشوة من الباب خرجت الأمانة من الكوة.
وقد كان الملك عبدالله -رحمه الله- أنشأ هيئة لحماية النزاهة، ومكافحة الفساد، وكان لها جهود مشكورة، وها هو خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -وفقه الله- يبني على ما أسس له أخوه، ويضع لجنة عليا لمكافحة الفساد، برئاسة ولي العهد، وفقه الله، وأعضاء من كوكبة من رجال الدولة الأكْفاء، ويمنحها صلاحيات واسعة، لتجتث الفساد من عروقه، وفي نظري أن هذه فرصة لكل من أخذ ما ليس له، أن يعيده إلى هذه اللجنة، ولو لم يُعلَم عنه ذلك، فليس ذلك عيبا، بل العيب هو الاستمرار بالخطأ، أما الرجوع إلى الحق ففضيلة، فذلك خير من الفضيحة الكبرى يوم القيامة، (يوم التغابن) إذا جاء على ظهره ما أخذه في مشهد يوم عظيم، أمام الخلائق، يكلمه ربه -جلَّ جلاله- ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أَيْمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه.
يقول النبي، عليه الصلاة والسلام: (والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت مرتين)، وجاء في الحديث: لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أمور منها: عن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ هذا هو السؤال الصعب، وحريٌّ بمن نصح نفسه أن يرد الحقوق لأهلها، ما دام في دار الدنيا، وأن يكون ورعا عن الأمور المشتبهة، فضلا عن المحرمة، ورحم الله شيخنا ابن عثيمين فقد كان ورعا زاهدا عالما، قال أحد طلبته: سألني الشيخ هل أحضرت سيارتك إلى الكلية؟ فقلت: نعم، فقال: أريدها للذهاب بها إلى بريدة لشراء آلة تصوير لأني لا أريد أن أستعمل سيارة المعهد العلمي في غرض شخصي، قال: فذهبنا إلى هناك واختار الآلة التي يريد، ودفع ثمنها، وقالوا له: نـحضرها لك عصرا، ثم عدنا إلى الكلية، فركب مع السائق سيارة المعهد عائدا من عمله إلى بيته.
وفي حادثة أخرى أعطته الجامعة التي يدرس فيها مبلغا من المال مقابل محاضرات ألقاها في كلية الشريعة، وكان -رحمه الله- وقتها مفرغا لإعداد كتب دراسية للمعاهد العلمية، فأعاد المال للجامعة، وقال المحاضرات التي ألقيتها في الكلية مقتطعة من الوقت المخصص لتأليف المقررات الدراسية للمعاهد العلمية، وبذلك لا أستحق ما صُرِف لي، وطلب إرجاعه إلى بيت المال، هذه هي النماذج التي يقتدى بها.
وفي الختام أقول إن مقالي هذا ومقالاتي السابقة عن حفظ المال، هي للتذكير العام، ليس مقصودا بها أحد بعينه، وأعوذ بالله أن أحكم على أحد بالفساد، فتلك مهمة القضاء، ومعاذ الله أن أشمت بأحد، فقد جاء في الحديث الذي حسنه الترمذي: (لا تظهر الشماتة بأخيك، فيرحمه الله ويبتليك)، وإنما نـحب لإخواننا ما نحبه لأنفسنا من الخير، ونكره لهم ما نكرهه لأنفسنا من الشر، والذكرى تنفع المؤمنين، وفق الله بلادنا وولاة أمرنا لكل خير.