قدّمت المرأة السعودية نموذجا مثاليا ودرسا مجانيا لقصص الكفاح الأسطورية، فرغم الصعوبات التي أحاطت بنهضة التعليم الأنثوي في المملكة العربية السعودية، ومحاربة المتشددين لها، إلا أنها أنتجت أجيالا مفعمة بالنجاح والحكمة والروية، وأصبحنا نفتخر بالمرأة السعودية في كل المجالات، ومن أشهر التخصصات التي نجحت فيها السعوديات بامتياز، هي التخصصات الطبية، من طب وتمريض وصيدلة وتخصصات فنية وإدارية تزخر بها مستشفيات وطننا الحبيب.

ولأهمية دور المرأة السعودية، قامت الدولة بتغييرات كبيرة كالتي حصلت مؤخرا ومكّنت المرأة السعودية من تحقيق أماكن متقدمة في المناصب الحكومية، مثل هيئة الرياضة، والتعليم، وهيئة سوق المال، ومجلس الشورى، ومما لا شك فيه أن المرأة السعودية تستطيع الاضطلاع بتلك الأدوار الحيوية لخدمة المجتمع.

للمرأة تاريخ مشرف في العمل الطبي في صدر الإسلام، وكان يطلق عليهن «الا?سيات»، وهن من يعملن في مهنة التمريض، من تضميد الجراح ومحاولة وقف النزيف، ومن أشهرهن: نسيبة بن كعب المازنية التي اشتركت في غزوة بدر، وأمينة بنت قيس الغفارية التي تزعمت معالجة الجرحى، ولم تبلغ السابعة عشرة في غزوة خيبر.

روى مسلم في صحيحه عن أنس -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء ويداوين الجرحى، وعن أم عطية -رضي الله عنها- قالت: «غزوت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى» رواه مسلم.

يصادفنا بين الفينة والأخرى ظهور بعض النعيق، وتلك الأصوات النشاز التي أخّرت تطورنا لعقود، منها وسم «هل ترضى أن تتزوج طبيبة»، والمقصود به ليست الطبيبات فقط، وإنما جميع الممارسات الصحيات اللاتي يقضين جل وقتهن في خدمة أمهاتنا وآبائنا وأطفالنا، الممارسات الصحيات اللاتي يعملن في مناوبات ليلية مرهقة، وفي عطل نهاية الأسبوع، وفي الأعياد بكل جدية واحترام، ثم يكافأن بهذه الهاشتاقات الرخيصة من العقول المريضة.

من يقف خلف تلك الهاشتاقات هم أولئك الذين يرفعون أصواتهم ومطارقهم في المستشفيات، مطالبين بعنصر نسائي للكشف على نسائهم، وبعضهم يعرّض حياة امرأته وطفله للخطر، لأنه لا يريد الطبيب المناوب ويبحث عن طبيبة، ثم يأتي التناقض بجميع أنواعه في نقد وتحجيم المرأة السعودية في ملء تلك الفراغات التي هي أحق بها في وطننا الغالي.

ومن المضحك المبكي أن «مسترجلي» تلك الهاشتاقات معظمهم من الفئة غير المنتجة، ويقضون أوقاتهم في «التسدح» و«التبطح» بين الاستراحات، وتعلو «أسنانهم» تلك الطبقة الصفراء ورائحة «التبغ» تفوح منها، وما يدعو إلى الضحك أنهم يقومون بالاختيار والتنظير والفتاوى، والحقيقة أنه نظرا لفشلهم الاجتماعي فمن عاشر المستحيلات أن ترضى بهم تلك الفتاة المتعلمة المكافحة.

وفي الختام، أيها العاشق لـ«الهاشتاقات» المسيئة، لن ترضى بك تلك الشريفة، سواءٌ كانت طبيبة، أو ممرضة، أو صيدلانية، أو أي تخصص صحي آخر، قبل أن تستبدل «الحمضيات» بمشروب آخر، وأن تنظف أذنيك من سماع «الكسرات» والشيلات وأناشيد «أبوبكر» البغدادي، وحين تصبح إنسانا ذا قيمة وإنتاجية حقيقية، فكّر في الزواج من تلك المبدعة، لعل وعسى أن تقبل بك!.