حياة أجدادنا لا شك أنها كانت تسير بطيئة، وأحيانا رتيبة، وليس خطأ لو ذكرت أنه كانت لديهم مساحات كبيرة من الوقت، ومع هذا فلا شك أن إنجازاتهم كانت متميزة، والفرق بيننا وبينهم هو الوعي بأهمية الوقت، وأهمية استغلاله الاستغلال الأمثل، وفي هذا الصدد، أذكر بإعجاب قول المفكر الجزائري الكبير، مالك بن نبي، الذي ذكره في مقال له بعنوان (وزن الوقت)، في الصفحة الـ68 من كتابه الرائع (بين الرشاد والتيه) وهو: «إن الزمن نهر قديم يعبر العالم، ويروي في أربع وعشرين ساعة الرقعة التي يعيش فيها كل شعب، والحقل الذي يعمل به، ولكن هذه الساعات التي تصبح تاريخا هنا وهناك، قد تصير عدما إذا مرت فوق رؤوس لا تسمع خريرها»..
تعلمنا عن أسلافنا أن «الوقت من ذهب»، وأن «الوقت كالسيف، فإن قطعته وإلا قطعك»، وأن «الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما»، وتعلمنا قبلهم عن سيد أهل التربية، صلى الله عليه وسلم، قاعدة ذهبية مفادها: «لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟»، وكل ذلك وغيره يؤكد أن حسن استخدام الوقت أمر ضروري، وأن الوقت الذي يمر لا يمكن أن يعود..
بيننا، وللأسف، قليل، وربما كثير من محترفي تبديد الوقت، وقتل الزمن، وعدم التفريق بين الجد والهزل، والهام والمهم، والعاجل وغير العاجل، والمؤسف الأكبر عندما يصادفك في يومك من يبدد لك وقتك العملي بمكالمة مملة، أو جلسة باردة، وهذا لا يمكن حله إلا بالإدراك التام بأن قضية الوقت قضية حضارية مصيرية، وأن الوعي بقيمة الوقت ضروري للأفراد والجماعات التي تريد أن تنهض وتتقدم، وإلا فإن الزمن سيتجاوز المفرط فيه، بل سيسقطه من مجمل حساباته..
مع ما تقدم أذكر أننا نحن جميعا، نـحتاج أحيانا إلى وقت خاص، وربما غير جاد، ومع هذا فلا يمكن اعتبار ذلك أنه من باب (تضييع الوقت)، أو أنه تزجية له، بل هو من قبيل (ملء الوقت)، ومن لم يدرك أبعاد ذلك مخالف للواقع، ولم يوفق في الاطلاع على الثقافات والحضارات والتجارب الإنسانية المتنوعة، وهنا أختم بدعوة غير المقتنع بفعاليات الترفيه المختلفة إلى مقاطعتها، وهذه المقاطعة حق مكفول لكل إنسان، وفي نفس الوقت، الدعوة لا بد أن تمتد إلى ضرورة توقف المقاطع عن ممارسة الوصاية على غيره، أو اعتقاد أن الأذواق والرغبات لا بد أن تكون متطابقة.