إن كنت لم تقرأ سوى كتب المدرسة، أو الصحف والمجلات، فلم تتعلم الكثير. وإن كنت تكتفي بالمعلومات التي تصل لهاتفك، دون بحث وتمحيص، فلن تفهم عمق الحقيقة. وإذا كنت تعيش في محيط صغير، ولم تخدمك الظروف، لتذهب بعيدا وتكتشف بعض أسرار الحياة، فعليك أن تقتنع بأن جزءا من تلك الأسرار يقع بين صفحتي كتاب، تستطيع أن تحيا به، وتعيش عيشة السعداء أو البؤساء، فيمنحك قراءة وجهات نظر كثيرة، ويُعرفك على أنواع ردة الفعل إزاء العديد من المواقف التي من الممكن أن تواجهك، حتى وإن لم تمر بها الآن، فيكفي أنها ستمنحك تلك الخبرة التي ستحتاجها يوما ما في مشوار حياتك، والتي من المؤكد ستساعدك في بناء شخصيتك، وتحديد خصوصياتك وأولوياتك. والأهم تعرفك على الخط الفاصل بين حدودك وحدود الآخرين، لتبقى لك حرية الاختيار في أن تكمل طريقك وتصنع مجدك كإنسان متحضر مستقل بذاته، يعرف حدوده جيدا، أو كمتطفل يقتات على أخبار الآخرين، لأنه لا يملك وسيلة أخرى يملأ بها فراغ رأسه وحياته.

كل شيء في الحياة يبدأ تكوينه وزراعته منذ الصغر، خاصة العادات السيئة التي لا يتزحزح عنها المرء في الكبر، إلا بصعوبة أو بوجود قانون صارم يحده ويمنعه. فإذا بدأ الإنسان -على سبيل المثال- التدخين في الصغر فسيصعب عليه التوقف عنه كبيرا. في نفس الوقت تجد نفس الإنسان ينصاع مختارا لقانون حظر التدخين في كثير من الأمكنة. لنكتشف أن لا شيء مستحيل، ولا شيء صعب، أن نعتاد عليه في الكبر، مهما كان حجم الإدمان، فلولا وجود قانون منع التدخين في الأماكن العامة لما امتنع المدخن. لهذا نجد لسطوة القانون تأثيرا إيجابيا في تغيير الكثير من العادات السيئة للبشر.

والتدخل في شؤون الآخرين ومراقبة تصرفاتهم وحياتهم، من العادات السيئة التي مارسها البعض، وآذوا بها الآخرين وأنفسهم فترة طويلة من الزمن، دون أن يشعروا بذلك، وربما يعود هذا الأمر لممارسات كانت تحدث في البيئة التي عاشوا ونشؤوا بها. فإذا كان ارتشاف أخبار الناس وتداولها مع أكواب القهوة والشاي، من ثقافة المجلس، فمن الطبيعي أن ينشأ جيل بأكمله لا يرى أن التدخل في شؤون الآخرين وتتبع أخبارهم عيب. ولن يعي بأن الفراغ الثقافي، مع اندلاع الثورة التقنية، أحدث فجوة وخلل لدى تلك الفئة في مسألة التوازن بين التفكير والتصرف. بعد أن فُتح المجال على مصراعيه، ومُنح الجميع مساحة من الحرية، يمارس فيها الفرد كل ما يحلو له، ليصبح التطفل على الناس تسلية، والنيل منهم أسهل مما كنا نتوقع. فلا يحتاج الفرد المؤذي اليوم سوى الاختباء خلف اسم مستعار، وإلقاء كل ما بجعبته من أذى وقاذورات ضد أي شخص لطرد الملل وتمضية وقت الفراغ.

من جهة أخرى، أثرت إغراءات التقنية على المبادئ والقناعات، فاختل توازن الكبير قبل الصغير، فركب البعض موجة البحث عن الإثارة والشهرة، بنشر مقاطع مرئية تجمع بين التفاهة والسخرية والمواعظ والفتن والشائعات، لا يهم إن كانت صحيحة، أو تخترق خصوصية الآخرين، المهم أن يصنع مادة يشاهدها العالم، وترضي غروره حتى لو كانت أداة تدينه.

فعل سبيل المثال ظهر أفراد ينشرون الشتائم، ويهددون النساء بشكل علني، بعد إعلان قرار القيادة، متوعدين إيذاء كل من تجلس خلف المقود، في تدخل سافر في شؤون النساء، تجاوز مرحلة تبرير بأن ما يقومون به من باب حرية التعبير، بل وصل بهم الجهل ألا يدركوا أن ما ارتكبوه يعد جريمة من الجرائم الإلكترونية. وما وفروه من مادة مسجلة يعتبر دليلا لإدانتهم.

ومن لا يدرك الفرق بين حرية التعبير والجريمة ينبغي أن يفهم أن الدولة بها قانون، ورجال أمن مهمتهم الحفاظ على الأمن، ولن يُسمح لأحد مهما كانت نواياه بأن يقوم بدورها.

فإذا وجدت رجلا أمامك يمسك بيد زوجته، أو يلفها بذراعه، فتذكر أن هذا الأمر ليس من شأنك، وإذا وجدت فتيات يمارسن الرياضة أو القيادة، تذكر أن هذا الأمر أيضا ليس من شأنك. وتصويرك للموقف يعد جريمة، ونشرك للمقطع في وسائل التواصل جريمة أخرى. وسواء اكتشفت أمرا مريبا، أو شككت في آخر، من واجبك التبليغ فقط، وتذكر أن تفاصيله ليست من شأنك، وليس من حقك أن تقوم بدور المحقق والقاضي والجلاد، وتفضح خلق الله، معتقدا أنك بطل.

إذا أصبحت حرية التعبير في فضاء الإنترنت في متناول الجميع، وتعددت وسائل التقنية وسرعتها، وأصيب الفرد بخلل في التوازن، فجر منابع الجهل والخواء الفكري داخله، وأفقده السيطرة على نفسه، فليتأكد أن القانون سيلقنه درسا قاسيا، لأنه لم يقتنع بأن شؤون الآخرين (ليست من شأنه).