في المقابلة التي كتب توماس فريدمان مقاله عنها كانت هناك جملة قالها سمو ولي العهد جديرة بالتوقف، قال: إننا لا نريد إعادة تفسير الإسلام، بل إعادة الإسلام كما كان في عهده صلى الله عليه وسلم.
لقد استوقفتني هذه الجملة، وأشعرتني بعمق نظرة هذا القائد الذي نعول عليه كثيراً، والذي تقول جملته لماذا نضيع وقتنا في إعادة تفسير الإسلام، ونحن فعلاً لدينا نموذج بشري لمجتمع وعالم متكامل منضبط على الصورة الحقيقية للمجتمع المسلم، ولقد نقلها الرواة لنا ولن نعجز على السير في ضوئها.
لكن الأمر ليس بالسهولة التي قرأتها في جملة ولي العهد لسبب بسيط وواضح، مصادر الدين القرآن والسنة، والله حفظ القرآن، لكنه لم يحفظ السنة، ومعظم الدين في السنة لا في القرآن، ولدينا في السنة تراث هائل الكثير منه متناقض، فأي نسخة هي الإسلام، وأي قصة هي الصحيحة، وأي حكم نستطيع أن نقول عنه إنه حكم الله عز وجل.
دعوني أقل لكم قصة صغيرة مضحكة، ربما توضح مقصدي، وهي معروفة لكل من درس علم الحديث. ذات مرة قرر الإمام العظيم أحمد بن حنبل أن يواجه رجلا قيل له إنه يجلس في أحد مساجد بغداد، ويقول حدثني أحمد بن حنبل، والناس يصدقونه، فذهب أحمد وجلس مع الناس حتى سمع اسمه يذكر أكثر من مرة، ثم ينتهي بحديث مكذوب، فقام غاضباً، وقال: يارجل أنا أحمد بن حنبل، وأنا لا أعرفك، فمتى قلت لك هذا، فصاح الرجل سبحان الله، كأن الله لم يخلق أحمد بن حنبل غيرك، فصعق أحمد، فلقد أيد الرجل الناس، ومضى أحمد متحسراً على الدين.
بل إن أحد الرواة اعترف يوماً بقوله كذبت على رسول الله خمسة آلاف حديث تقرباً لله.
من هذين الموقفين نعلم كيف كان سهلاً إضافة أحاديث مكذوبة، تجعل هذا التراث يمتلئ ببحار من الأكاذيب التي تقول لك: أنا الإسلام ببساطة.
لاشك كانت هناك محاولات شجاعة لتنقية هذا التراث، وأعظمها عمل البطلين الإمام البخاري ومسلم عندما لم يعدا آلاف الأحاديث، واكتفيا ببضعة آلاف.
قال البخاري في سبب ما فعل «رأيت النبيّ، كأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذبّ عنه، فسألت بعض المعبرين، فقال: إنك تذبّ عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الصحيح».
لكن كما تعرفون الإمام البخاري فقط نظر في السند، ولم ينظر في المتن، أي تحقق من صحة السند، ولم يتحقق من صحة المتن، وفي الحقيقة أن ذلك يجعلنا كمسلمين نتوقف عند مسألة التحقق من المتن، وهي المسألة التي ترددت على استحياء دائماً، فليس كل الناس بشجاعة الإمام البخاري ليرفض أحاديث لمجرد أن أصحابها قليلو مروءة أو متهمون في دينهم. فيأتي رجل في عام 1439 ويقول لن أقبل حديثاً يرفضه المنطق الإسلامي أو المبادئ التي قام عليها الدين، مثل احتقار إنسان لأجل لونه أو ظلم المرأة.
هذا يحتاج إلى شجاعة كبيرة مثل الشجاعة التي تحلى بها سيدنا عمر رضي الله عنه عندما جاءته فاطمة بنت قيس في حديث العدة، ورده منها مع أنها صحابية، والصحابة عدول، مما يجعل روايتها من القوة بمكان، لكنه رده لمخالفته القرآن، وأيضا عدم منطقيته، فكيف تخرج مطلقة من بيتها وهي لا تستطيع أن تتزوج حتى تمضي عدتها. على كل حال عمر رضي الله عنه فقيه كبير، وأقصد بفقيه أنه قادر على الفهم والوعي.
مما يجرنا إلى الحديث عن أن المرء يحتاج مع الشجاعة إلى العلم بالقرآن الكريم والسنة ومبادئ الدين العظيمة، مع القدرة على فهم الواقع والعالم من حولنا وحاجات المجتمعات في عصر مثل عصرنا، وهذا يطرح سؤالا أخيرا:
هل هي أزمة فقه أم أزمة رجال؟ وهذا هو موضوع مقالي غداً إن شاء الله.