يقول سمو الأمير محمد بن سلمان في مقابلته الأخيرة مع نيويورك تايمز هذه الجملة (الحياة قصيرة جدا وأخشى أن أموت قبل أن أشاهد بعيني ما أحلم به لوطني). ولمقام سموه أقول: كل الذين غيروا من حياة شعوبهم من العظماء كانوا مثلك يعلمون مسبقا أن الحياة جدا قصيرة. أكثر من هذا فإنني أرى فيك ولك ميزة فطرية تختلف عن كل الكبار الذين أخذوا أوطانهم إلى قلب التاريخ. أنتم، يا سمو الأمير، ما زلتم على أعتاب العقد الرابع من العمر، بينما كان معظم هؤلاء، وهم قلة، في المعدل في العقد السادس من «قصيرة الحياة» عندما ابتدؤوا لشعوبهم ذات الحلم.
وطالما سبحت بنا يا سمو الأمير إلى عقدة الخوف الفطرية لأي إنسان من متلازمة قصر الحياة وضخامة الأحلام فدعنا، سيدي، ننظر إلى ما يمكن لكم أن تشاهدوه من الأماني لشعبكم قبل الرحيل. إنها ثورة التعليم التي لا بد أن تسبق البناء المادي الصرف لأي برج أو مدينة. تعالوا نعبر بهذا المثال الذي قد يختصر عناء إيصال فكرة المقال: في الرابعة والخمسين من العمر، كان لي كوان يو يصل في يومه الأول إلى سدة الكرسي الأعلى رئيسا لجمهورية سنغافورة. كانت جزيرة من القش والصفيح والملاريا. وحين أدرك هذا العملاق الآسيوي أن التعليم هو الداء جعل منه الدواء. وبالتعليم اشتهر بصفته ناقل سنغافورة من العالم الثالث إلى الأول. لم يرحل لي كوان يو في مارس 2015 إلا وقد عاش حلم وطنه وشعبه واقعا تشاهده العين. لم يرحل إلا وبلده ضمن الثلاثة الأكبر على العالم في جودة ونوعية التعليم، ولم يغادر الحياة إلا وهو يقرأ جامعة سنغافورة الوطنية ضمن الجامعات العشر الأول في هذا الكون. كان هذا العملاق في سنواته الأخيرة، وفي كل خطبة يردد لزمته الشهيرة: بالتعليم حطمنا الصفيح وقهرنا الملاريا.
أختم: أما الأعمار، يا سمو الأمير، فهي بيد الله. أما بالحساب فالأرقام تقول إن أمامكم ضعف حياة لي كوان يو. أروع أحلامنا معكم أن تهزوا كل القواعد والعروش المهترئة لهذا التعليم. إنه الملاريا التي تركت شعبنا وشعبكم يعيش في عقول الصفيح. التعليم الحقيقي، يا سمو الأمير، هو من سيوفر نصف الدخل الحكومي، لأنه يرقى بالفرد في صحته ونظام حياته واقتصاداته ونوع مدينته وشارعه. نحن نصرف نصف مداخيلنا على العبث بسبب الجهل.