لقد كانت قفزة بارعة في الحقيقة، لذا أقولها وأنا جادة. المشهد الذي صوره أحدهم لفتاة تقفز من سور مدرسة، يدل دلالة ماحقة ساحقة على قدرة الفتاة السعودية -رغم كل الظروف التي تحرمها من ممارسة الرياضة «حتى وقت قريب»- استطاعت ببراعة الاحتفاظ بمستوى مميز من اللياقة، وليت هذه الفتاة لا تعاقب بل يتم استدعاؤها لمنتخب المملكة للقفز بالزانة، وستحقق -بقليل من التدريب- نتائج باهرة، بل ربما تحرز ميدالية للمملكة.

أريد أن أقول ببساطة، أرجوكم لا تعاقبوها، الله وحده يعلم كيف تعلّمنا في هذه المدارس والكليات. الله وحده يعرف كيف عانينا في قاعات مقفلة لا تستطيع شم الهواء من نوافذها.

أذكر أن كليتي كانت تشبه قلعة قاتيباي من شدة تحصينها، وكذلك مدرستي، وربما ذلك كي يبقونا في داخلها الموحش غالبا، والذي لم يتغير طوال هذه السنوات، خاصة في دفعه البنات إلى الهرب.

ففي زياراتي الأخيرة للرياض، حرصت على التجول في المولات صباحا، لأشاهد كثيرا من المراهقات يتجولن هناك، وينتشرن في المقاهي وأعينهن تدور ببراءة.

أوقن كأم أن من يلتقطها لن يكون بدرجة البراءة نفسها، وسط غياب قوانين المحافظة على النساء والرجال من التحرش صغارا وكبارا.

صناعة مدرسة تشدّ الطالب ليست أمرا سهلا، خاصة مع وزراء تعليم شغلهم الشاغل طواف الأرض للبحث عن تجربة ينظرون ويتحدثون عنها كثيرا، ثم يعقدون مؤتمرات تكلف الدولة الملايين، والمدارس صحارٍ قاحلة مملة، لا تنجح إلا في زيادة أعداد التسرب والهاربين.

وزارة تُعنى بالأرقام الخادعة والبيانات المضللة، فلدينا ما يكفي من حصص النشاط التي يطارد فيها الطلاب ديكا روميا، وليس لدينا مسرح أو ملعب أو مقهى أو قاعة كمبيوتر، أو آلاف الأدوات التي تجعل المدرسة مدرسة حقيقية لا يرغب الطالب أن يخرج منها، يتنقل فيها كالفراشة بين المعمل والفصل، ومن تجربة لمعلم يضعه أولا في أولوياته، فينشغل كيف يجعل الدرس رحلة للمعرفة والاستكشاف.

حتى تصبح لدينا مدرسة حكومية كهذه، أرجوكم لا تعاقبوا هذه الصبيّة، ولا مديرتها، ولا معلماتها، عاقبوا ميزانيتكم التي نست المدرسة ولم تنس رحلاتكم.