لا ينقضي يوم دون أن أمر بجوار المكتبة العامة الواقعة وسط مدينة أبها، والتي تتميز بموقع إستراتيجي مهم بالنسبة لموقع مكتبة عامة، يفترض من خلاله على الأقل أن تجذب إليها عددا لا بأس به من الناس.

وقد قررتُ قبل أيام قليلة أن أزور المكتبة مع طفلَي اللذين لم يبلغا بعد السن المؤهلة للانتظام في المدرسة، صعدنا إلى الطابق الثاني حيث كتب الأطفال وصالة المحاضرات، فوجدت التجهيزات جيدة، والمساحات تحتضن الطاولات بشكل مرتب، والكتب مرصوصة ومصنفة على الأرفف، لكننا بكل أسف كنا الوحيدين في ذلك الطابق حتى وقت مغادرتنا له ظهرا!

عدت بذاكرتي إلى إحصاء نشرته صحيفة الوطن تحت عنوان «197 ألف زائر لـ84 مكتبة عامة في المملكة سنويا»، عن تعداد زوار المكتبات العامة في المملكة، قالت نصا «كشف إحصاء أجرته «الوطن» معتمدة على السجلات الأخيرة لوزارة الثقافة والإعلام، أن 197031 زائرا، يرتادون المكتبات العامة في المملكة سنويا، وتتركز أعمار غالبهم في الفئة من 40 سنة فما فوق، بمن فيهم غير السعوديين وغير الناطقين بالعربية، يشكلون نحو 2% من عدد السكان...»، جاء ذلك في تصريح خاص إلى «الوطن» للمتحدث الرسمي للوزارة هاني الغفيلي. وتضمن الإحصاء أن «6500 زائر ارتادوا المكتبة العامة في أبها عام 2016».

تأملت مستغربا في الرقم الإجمالي لعدد زوار المكتبات العامة في المملكة لعام 2016، فهو ليس رقما ملهما ولا مأمولا على الإطلاق، لكن استغرابي من ضعف الرقم تبدد حينما علمت، خلال حواري مع مدير مكتبة أبها العامة، أن المكتبة لا تفتح أبوابها أيام الإجازات الرسمية للطلاب والموظفين نهاية الأسبوع! وهي -من وجهة نظري- الفرصة الحقيقية التي تكاد أن تكون مواتية ومفضلة لارتياد المكتبة، وممارسة الناس بمختلف أعمارهم للقراءة والاطلاع، وتشجيع الأطفال والعائلات على تفضيل المكتبة بدلا من الأسواق وأماكن الترفيه والألعاب التي تقل فيها نسبة التعلم والتثقيف بشكل كبير جدا.

المكتبات العامة مؤسسات حكومية، تتبع نظام الدوام الرسمي نفسه لمثيلاتها من الجهات الحكومية الأخرى، وهذا يجعل من المسؤولين عنها موظفين يعملون بالطريقة البيروقراطية نفسها، الخالية من الإبداع والابتكار، وهو ما يقلل من قوة معنى ومفهوم المكتبة العامة، ليجعل أنشطتها تخلو في الغالب من المبادرات التثقيفية الحقيقية الفاعلة، قياسا بما تعنيه أو تقوم به المكتبات العامة في عدد من الدول حول العالم، ويحولها إلى مجرد معالم أسمنتية بعيدة عن الغرض الذي أنشئت من أجله، ويتسبب في بطء عملية التثقيف والتنوير الاجتماعي الذي يعدّ أحد أهم أدوارها.

من الطبيعي إذن -عطفا على ما أعتقد أنه خلل في نظام تشغيل هذه المؤسسات التنويرية المهمة- ألا تتمكن من التأثير بشكل جيد في محيطها، فالمكتبات العامة في بريطانيا مثلا تفتح طوال أيام السنة ما عدا إجازة الأعياد وما يسمى «البنك هولداي»، وهذه المناسبة لا تتعدى الأيام السبعة في السنة بطولها وعرضها، أما باقي أيام السنة فالمكتبة مفتوحة من الثامنة والنصف صباحا وحتى الثامنة مساء طوال أيام الأسبوع، أما يوما الإجازة الأسبوعية «السبت والأحد» فتفتح أبوابها من الساعة الـ11 صباحا وحتى الخامسة مساء، وهي ليست مكتبات للقراءة فقط، بل هي منارة للتوعية، تعقد فيها محاضرات ودورات قصيرة لكل الأسرة، وكبار السن، ودورات خاصة للأطفال لتنمية مهاراتهم في الرياضيات وغيرها من النواحي العلمية والثقافية، ويستطيع الطلاب أن يطبعوا مشاريعهم المدرسية، ويستخدموا «الكمبيوترات» بسعر رمزي لا يكاد يذكر، ويمكن أيضا الانضمام إلى المكتبة بعضوية رقم المنزل، فكل حيّ لديه مكتبة مصغرة، ومكتبة مركزية عامة كبرى للمنطقة، وتمكنك عضوية مكتبة الحي من المشاركة في مسابقات القراءة، وفي كل مرة يستعير طفلك كتابا يعدّ حاصلا على نقطة «تشجيعية»، وحين يضيّع الطفل الكتاب المستعار لا يتم تغريمه، بعكس الكبار الذين يكونون عرضة للغرامة المالية، وغيرها من عناصر الجذب والامتاع التي لا تنتهي بدخول المكتبة فقط.

هذه الفوارق الكبيرة في مفهوم المكتبة العامة بين ثقافتين، تجعل من التوسع في بناء المكتبات دون النظر إلى أنظمة تشغيلها أشبه بالنفخ في قربة مثقوبة، وأظن أن مراجعة تلك الأنظمة وتفعيل فتح أبواب هذه المكتبات في أيام الإجازات الأسبوعية الرسمية سينعكس تأثيرهما إيجابا على الوعي الاجتماعي، ودور المكتبات العامة وفاعليتها، وارتفاع عدد الزوار.