في إحدى المناسبات أشارت الدكتورة نجاح عشري نائبة رئيس جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية إلى «أن الثورة الصناعية الرابعة قد تؤدي إلى فجوة معرفية، يصبح فيها جميع من لا يستطيع الوصول إلى التقنية غير قادرٍ على الوصول إلى المعرفة».

استوقفتني هذه الجملة كونها، في نظري، تحمل جُملاً ملهمة. منها ما هو ظاهر من الدعوة إلى تهيئة جميع البشر، ليس الجيل الحديث فحسب، بل الكبار أيضا بمواكبة التطور التقني قدر الإمكان حتى لا يصبح أحدنا خارج التغطية التقنية، وعلى مسافة ضوئية من الزمن بينه وبين المعرفة.

غير أنه قد يظهر ما هو أعمق من قضية الفجوة المعرفية في الثورة الصناعية الرابعة، وهي؛ هل تصل بالإنسان هذه الثورة الهائلة إلى الانجراف التدريجي نحو الاعتماد الكلي على التقنية، كآلات تتحكم في مصير الإنسان، ويتم تمكينها من اتخاذ القرارات الصغيرة والكبيرة على كوكبنا العزيز؟!.

التكنولوجيا تتغير بسرعة مذهلة، وعلماء التقنية لا يتوانون في تطوير الآلات الذكية التي بإمكانها أن تقوم بعمل كل ما يخطر وما لا يخطر على البال، وربما أفضل بكثير مما يقوم به البشر. وبالتالي فإننا قد لا نحتاج -مستقبلا- إلى تخصصات ومهن موجودة في عصرنا الحالي. فالاحتمال وارد باختراع أجهزة تغني عن الطبيب والصيدلي والمهندس والطيار وغيرهم، على سبيل المثال، قد تقوم تلك الآلات أو «الروبوت» بالفحص على المريض والتحدث إليه والقيام بالعمليات الجراحية دون تدخل العنصر البشري، ومن ثم صرف الدواء من المتجر عبر الآلات المتوفرة في نقاط البيع الآلي. ولك أن تسحب الفكرة على بقية المهن، لاسيما أن العالم شاهد طائرات تجارية بدون طيار في أميركا لأغراض تجارية، مما قد يتوسع الأمر لجانب الطيران المدني دون طيار ولا مساعد طيار ولا طاقم ملاحة أيضا.

وفي هذا السياق، يفترض قيام الأجهزة بجميع المهام بدرجة فائقة من الدقة والتحكم وأعداد هائلة من الآلات المستحدثة التي لم يكن يتخيلها العقل البشري، وبالتالي لن يكون هناك حينئذ وجود للجهد البشري، مما قد يمنح الإنسان تلك الأجهزة تفويضه الشامل لاتخاذ قرارات ذاتية دون إشراف بشري، وهو ما يخشاه العقلاء.

وفي حال منح الإنسان التفويض المطلق لهذه الآلات لتتخذ بنفسها القرارات، فإنه يصعب التنبؤ فيما يتعلق بالنتائج. نشير هنا إلى أن مصير الجنس البشري، حينئذ، سيكون تحت رحمة تلك الآلات. غير أنه يمكننا القول، إن الجنس البشري المفعم بالذكاء قد لا يكون بدرجة من الغباء ليُسلّم السلطة المطلقة لجميع الأجهزة الصماء. وبالاستقراء، فإن الإنسان ليس من طبيعته أن يحوّل السلطة إلى الآلات طواعية، ولا أن الآلات تستولي على السلطة عنوة.

لاشك أننا ننعم بالاختراعات والخدمات التي تقدمها لنا التكنولوجيا والتي أصبحت تتسم ببراعة أكثر فأكثر على مر الوقت، الأمر الذي قد يجعل الإنسان يسمح للآلات باتخاذ مزيد من القرارات بالوكالة عنه -وذلك ببساطة- لكون قرارات الآلة تحقق نتائج أفضل وأكثر دقة من تلك التي هي من صنع الإنسان. وهنا تكمن المخاوف والتحديات في حال المبالغة القصوى والثقة العمياء بالماكينة.

في نهاية المطاف، قد يتم التوصل إلى مرحلة تكون فيها القرارات البشرية إلزامية للمحافظة على أنظمة التشغيل، لكن هل ستكون تلك المرحلة سهلة، بحيث إن الإنسان بمقدوره مسايرة أو منافسة ذكاء الآلة بدرجة كافية؟ لا سيما أن في ذلك العصر قد تكون الأجهزة في حالة من السيطرة الفعلية والشاملة. وبلا ريب، فإن مجرد إطفاء الآلة، لن يكون بتلك البساطة لأن كوكب الأرض قاطبة سيكون في وضعية الاعتماد التام عليها، بحيث إن إطفاءها سيكون بمثابة الانتحار.

أخيرا، فإن المخاوف الجسيمة التي قد تبرز للمجتمع، هي أن العمل البشري لن يكون ضروريا البتة حينذاك، الأمر الذي يجعل الإنسان زائدا عن الحاجة، وعبئا لا طائل منه على الأنظمة الذكية، وهذه هي القاصمة التي تُفزع المتأمل وتُقلق المهتمين بحقوق الإنسان وقضايا البطالة. وإذا كانت النخبة لا ترحم، وكذلك الآلة فستكون، حينئذ، إبادة جماعية للإنسانية.