بأبي وأمي أنت يا خير الورى

 وصلاة ربي والسلام معطرا

يا خاتم الرسل الكرام محمد

 بالوحي والقرآن كنت مطهرا

تضمنت مناهجنا الدراسية ومقرراتنا الكثير عن مضمون السيرة النبوية والأحاديث الشريفة والتاريخ الإسلامي، وغير ذلك من المفردات العلمية والموضوعات التي ترتبط بديننا الحنيف بصورة أو بأخرى، فتوزع محتواها ما بين مقررات دينية بحتة وتاريخية وسيرة نبوية وثقافة إسلامية، وكما تباينت مسمياتها تفاوتت كذلك في تفاصيلها ومحتواها تبعا للمرحلة التعليمية، وعلى الرغم من الكم الكبير من المعلومات التي تم تلقينها لنا ولأجيالنا اللاحقة عن تلك السيرة العطرة لنبينا محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام- حول مولده وصفاته وأخلاقه وجميع ما يتصل بسيرته عليه الصلاة والسلام، فإننا ومما يندى له الجبين نجد صعوبة في استرجاع وتذكُر الكثير من صفاته وأخلاقه وتفاصيل سيرته عليه الصلاة والسلام، كما نجد اختلاطا وتداخلا وتناقضا في تفسيراتنا لبعض البديهيات من أمورنا الدينية المهمة والأحكام الشرعية فيها، هذا بالإضافة إلى ما نجده من غموض وعدم وضوح لمراحل مهمة من تاريخنا الإسلامي، وعليه نتساءل ألا يستحق سيد البشرية -عليه الصلاة والسلام- التذكير بسيرته وإحيائها مجتمعيا في شهر مولده؟!، وهو الذي اصطفاه الله -جل في علاه- من بين خلقه أجمعين ليتحمل شرف الدعوة لعبادته وتوحيده، ولأن يكون نبي الأمة ورسوله إلى البشرية جمعاء، لماذا لا نقتنص المناسبات المختلفة التي ترتبط بديننا وتراثنا وتاريخنا لنجدد العهد بها؟! لماذا نـحرص دائما على استحضار السلبيات قبل الإيجابيات في أمور وقضايا يهمنا زرع محتواها في النفوس وتأصيل محبتها في القلوب؟! لماذا لا نعالج تطرفنا في أفكار شائعة مغلوطة بأفكار مضادة تصحيحية لها؟!؛ وبذلك نُغير ونقوم كثيرا من معتقداتنا المتصلبة التي ترفض الرأي الآخر المختلف، لماذا

لا ننتهج الوسطية والتسامح والانفتاح على الآخر كمنهج اجتماعي؟! لماذا نعتز دوما باختلافنا عن الآخرين ممن يشاركوننا الدين والملة ونعتقد أننا وحدنا الصائبون دائما؟! لماذا لا نقف أمام ما نشهده ونعيشه من أحداث متجددة وفعاليات واهتمامات أمة ننتمي إليها لنعيد تقييمنا ونراجع رؤيتنا في أمور ومعتقدات اتصفت بالانغلاق العقدي والتحجر الفكري في استيعاب مضمونها القيمي وجوهرها السامي؟!

يحتفل العالم الإسلامي من حولنا والذي يضم نحو مليار مسلم ونيف بمولد خير البرية وسيد الخلق أجمعين نبينا محمد ورسولنا، عليه أفضل الصلاة والسلام، والذي كرمه الله ودعانا للاقتداء به فقال جل في علاه «ولكم في رسول الله أُسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر» (سورة الأحزاب الآية 21)، كما وصفه تعالى في كتابه المحكم بسمو أخلاقه فقال «وإنك لعلى خلق عظيم» (سورة القلم الآية 4)، وفي رواية لمسلم عن واثلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يقول «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»، كما قال عنه خليله سيدنا أبو بكر على لسان ابنته عائشة «لئن أُعطي سيدنا يوسف شطر الجمال فقد أُعطي سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- الحسن كله»، وذلك جميعه يتضمن التزكية والأفضلية المتميزة في الخُلق والخَلق والنسب لنبينا وحبيبنا محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، وبه استحق شرف النبوة والرسالة الإلهية، والاقتداء به حظوة، والتأسي بمناقبه فضيلة.

ومما لا يخفى علينا إن جُل علماء الأمة الإسلامية من السلف الصالح هم ممن أنجبتهم تلك الدويلات المسلمة التي اعتنقت الدين الإسلامي واهتمت بنشره وبالتفقه فيه، بل وتمسكت بتعاليمه في كثير من شؤون حياتهم الدينية والدنيوية، على الرغم مما تعرضت له تلك الدول وشعوبها من صنوف الاستعمار والاحتلال المختلف في هويته الدينية والأيديولوجية التي أثرت بالطبع على كثير من مظاهر حياتهم الاجتماعية، غير أنه من الملفت للانتباه كذلك أن تلك الدول جميعها دون استثناء اتفقت على أن تحتفل بمولده الشريف تكريما وتعزيزا وتقديرا منها لذاته الشريفة وسيرته العطرة التي تستحق الاسترجاع والتذكير على مدى الأيام والسنين، ليكون عليه الصلاة والسلام قدوتها ونموذجها الإنساني المتبع، والرمز الديني النموذج للأجيال، وقد أدركت تلك الشعوب أن الاهتمام بهجرته وبشهر مولده العظيم الذي احتفت به السموات والأرض يستحق الحفاوة والإحياء، كما وجدت أن تفعيل ذكراه وسيرته الشريفة مجتمعيا في زمن محدد وبفعاليات مختلفة تشارك فيها كافة شرائح المجتمع، يزرع في النفوس محبته ويجدد منهج اتباعه، ويستعيد تفاصيل سيرته من خلال ممارسات ومشاهد مختلفة مبهجة تُرسخ مناقبه وصفاته الشريفة في الأذهان والسلوكيات، بل وتؤكد التجارب الإنسانية أن لتلك المشاركات المجتمعية إيجابياتها الملحوظة في تعزيز اللحمة الشعبية، وفي ترسيخ مبادئ ومفاهيم وتوجهات مستهدف إحياؤها وترسيخها، أكثر مما تفعله المقررات المدرسية بما تتضمنه من مادة علمية، لأن الإنسان بطبعه اجتماعي يميل إلى معايشة الأحداث وملامستها، وكثيرا ما تنجح تلك الممارسات الحيوية والنشاطات المتنوعة في تحقيق نتائج أفضل لمستهدفاتنا.

ومما يجب الاعتراف به أن تمسكنا بمناهجنا ومقرراتنا الدينية، برؤية واحدة ونظرة تفردية تُلغي وتهمش ما يناقضها في الفكر والاجتهاد (هذا إذا لم تكفره)، يجعلنا منغلقين على ذواتنا ومختلفين عن الغالبية العظمى من أبناء أمتنا، بل إن ذلك من شأنه أن يُثبّط لدينا العقل المتدبر والفكر الباحث عن الحقيقة، كما يؤطرنا جميعا ضمن قالب فكري موحد منعزل عما حوله يفتقد الاختلاف المطلوب الذي به نُثري علومنا ونتواءم مع تبايناتنا، لا ننكر أن للدين الإسلامي ثوابت وأصولا لا تقبل الاجتهاد والاختلاف، وذلك في أركانه وواجباته، ولكن ما دون ذلك فهو خاضع للاجتهاد، وأن ما جرى العرف العام نحوه ولدى الغالبية على تسميته بدعة وبما يتصل بها من تحليلات وتفسيرات، كالاحتفال بالمولد النبوي أو الهجرة النبوية أو تخصيص يوم الإثنين بعبادة معينة كالصيام وغيره والذي يلتزم به البعض تقديرا لقوله عليه الصلاة والسلام عندما سُئل عن صيامه قال: ذاك يوم ولدت فيه وذاك يوم بُعثت، أو قال أنزل علي فيه رواه مسلم، فذلك يدعو إلى إعادة النظر فيه والحد من الدعوة إليه بأنه محظور وبِدَعي ووصمه بأنه منكر، لأن ذلك من الأمور التي تقبل الاجتهاد والرؤى المتباينة نحو مقصده وإنما الأعمال بالنيات وإن لكل امرئ ما نوى، فهو من الأمور التي يفترض فيها قبول الرأي المختلف وعدم إلزامية الجميع بتوحد توجهها وفرض إنكارها.

 وحيث إن الإنسان اجتماعي بطبعه فإنه يميل إلى التعايش ويسعى نحو الاندماج، ويحب المشاركات الإنسانية التي تعزز شعوره بأنه فرد مكون وفاعل ضمن المجتمع الذي ينتمي إليه، فإن وجود الاختلافات التي لا تخل بالثوابت من جهة، وتحترم الرأي المختلف من جهة أخرى، يحدّ من انـجراف أفراد المجتمع (خاصة الشباب) نحو الأخذ بممارسات الغير واحتفالاتهم بالتقليد الأعمى لأمم لا تتفق ومبادئ ديننا وتراثنا وحضارتنا، ونكون بذلك قد دفعنا بهم دفعا، ومن جهة أخرى فإنه من نعم الله علينا أن فضلنا الله بأن يكون وطننا يحتضن الحرمين الشريفين وأرض النبوة ومسرح الغزوات، ويضم جميع مآثر وذكريات الدعوة المحمدية، وموطن الهجرة النبوية التي شهدت تأسيس الدولة الإسلامية، ومنها انطلقت الفتوحات الأولى لترسم خريطة العالم الإسلامي التي نشهدها اليوم،كما تشرفت أرضها باحتضان قبره، عليه الصلاة والسلام، هادينا وقدوتنا، وذلك يدعونا للتساؤل ألسنا أحق الشعوب بالاحتفاء والتذكير بمولده الشريف وهجرته وبجميع ما يتعلق بسيرته العطرة ومناقبه وصفاته الفريدة؟!.