العالم العاقل: هو من يخشى الله تعالى، ولا يقدم ما يطلبه المستمعون والمتابعون، أو تهواه نفسه من المكانة والمنصب والتصدر والسمعة، لا يقدم شيئا من ذلك على النص الشرعي، ولا يلوي أعناق النصوص لتتلاءم مع ما يهواه هو، أو يهواه غيره، لأن الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأما من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلا بد أن يقول على الله غير الحق، في فتواه وحكمه، وفي خبره وإلزامه، لأن أحكام الله تعالى كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، كما يقول ابن القيم.
وما كل من درس العلم، أو حصل على شهادة فيه، يُعد من الراسخين فيه، ذلك أن المعلومات موجودة في الكتب، وفي زماننا هذا بمجرد ضغطة زر على جهاز الحاسوب تحصل على ما تشاء من المعلومات والأحاديث في الموضوع الواحد، لكن هذا لا يكفي، لابد من العالم الرباني الذي يفقهها، وفق منهج السلف، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِأن يَنْتَزِعَهُ انْتِزَاعًا، لَكن يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) رواه البخاري.
لاحظ أنه ذكر في الحديث أن قبض العلم (بقبض العلماء) لم يقل: (بقبض الكتب)، فالكتب موجودة، لكنها لا تكفي، وإنما تحتاج إلى عالم عاقل يخشى الله، ويفقه مآلات ما يصدر عنه، ولا يستخنفه الذين لا يوقنون، وإلا فإن النتيجة سيئة جدا كما في الحديث، وهي ترؤس الجهال المتعالمين، بفتاواهم وكتاباتهم الضالة المضلة، وفي زماننا هذا كَثُر المنتسبون إلى الفقه والعلم، مع أن بين (بعضهم) وبين الفقه الذي على طريقة السلف، أمدا بعيدا، وما كل من نسب نفسه إلى السلف صادق، فالسلف رحمهم الله يتدافعون الفتوى، وهؤلاء المتعالمون يتنافسون في التصدر للفتوى والظهور، والسلف يقولون في كثير من الأسئلة: لا أدري، وهؤلاء يفتون قبل أن ينهي السائل سؤاله، والسلف يود كل واحد منهم لو أن أخاه كفاه الفتوى، وهؤلاء يقولون نحن أحق بها وأهلها، بل ويجيب أحدهم وهو لم يسأل أصلا، ويتقدم على الراسخين في العلم، فيسبقهم بالتعليق على كل شيء بعجلة وطيش، بينما قال أبو موسى لابن مسعود رضي الله عنهما (ما قلت لهم شيئا انتظار أمرك أو رأيك)، تأخر في الإنكار حتى يرى رأي الراسخين في العلم، فهم أعلم وأتقى، أما هؤلاء فلا ينتظرون عالما، وإنما يبادرون بتسجيل المقاطع ونشرها، ولو عُرض ما تكلموا به على عالم راسخ لقال: يحتاج الأمر إلى رجوع للمجامع العلمية، وإلى أولي الأمر عملا بقوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى? أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، لكن المعجبين في أنفسهم لا يعقلون، وانظروا مواقع التواصل تروا العجب العجاب.
والسلف صانوا العلم عن التبذل والتملق، والطمع، فصانهم العلم، وانتفع الناس بعلمهم، وهؤلاء دنسوا العلم بالتناقض والتملق والسخف والركون إلى المظاهر الزائفة، فهانوا وهوَّنوا شأن العلم في النفوس، والسلف قلَّ كلامهم وكثر علمهم، وهؤلاء كثر كلامهم وقلَّ علمهم، وصاروا يدخلون أنوفهم فيما يعنيهم وما لا يعنيهم، ومع هذا الغثاء والتعالم، الذي نشكوه إلى الله، إلا أن أهل الفضل والفقه والعلم والعقل، والسير على طريقة السلف، موجودون بحمد الله، فالخير في هذه الأمة إلى أن تقوم الساعة.
ومن أمثلة الخير الذي سطره علماء السلف رحمهم الله ما يلي:
1 - لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، وحصل ما حصل من عظم هول الموقف، وأنكر بعضهم موته، صعد أبوبكر رضي الله عنه المنبر وقال (أما بعد: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت، ثم قرأ (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات...الآية)، قال ابن باز رحمه الله: عن قول أبي بكر هذا: العلم يظهر في موطن الإشكال.
ولما ارتد من ارتد، كان له موقف مشهور، أعز الله به الإسلام وأهله.
2 - طُلِب من الإمام أحمد رحمه الله، أن يقول بخلق القرآن، وهي كلمة كفر، لكون كلام الله من صفاته، وصفاته غير مخلوقة، لكنه رفض ذلك، فسُجن وضُرِب، وحصل له من البلاء ما حصل.
ولما خرج من سجنه، اجتمع إليه الناس، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا – يعنون إظهار القول بخلق القرآن – ولا نرضى بإمرة الواثق ولا سلطته، وأرادوا الخروج عليه، فناظرهم الإمام أحمد في ذلك، وقال: (عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح برٌّ، أو يُستراح من فاجر. وقال: ليس هذا بصواب، هذا خلاف الآثار).
وأنت تلاحظ - أخي القارئ الكريم - أن الأمام أحمد تمسك بالآثار التي تنهى عن الخروج، ونظر بنظر الفقيه العالم إلى مآلات الأمور، وعظم شأن الدماء، وأهمية الأمن، ولو كان من علماء الضلال ودعاة الفتن والثورات، لاغتنم هذه الفرصة لتصفية الحسابات، لاسيما أن الحاكم في زمنه يقول بخلق القرآن، لكنه عالم سلفي، يفرق بين الموقف الشرعي، وبين ما تهوى الأنفس، ولذا أعزَّ الله به الإسلام يوم المحنة، كما أعز الإسلام بأبي بكر يوم الردة، وهذا هو العلم الذي يظهر في موطن الإشكال.
3 - وفي زماننا كان للعلامة ابن باز رحمه الله موقف مشهور ومشرف، وذلك في حرب الخليج الثانية، فقد أطلت الفتن بقرونها، وكثر المفتون والمشككون، والمتربصون، والجاهلون، وزعم بعضهم أن الاستعانة بغير المسلم لرد الصائل على بلادنا جريمة عظيمة، ومظاهرة للمشركين على المسلمين، وجيشوا الناس، ونازعوا الأمر أهله، وحصل من الشرور ما حصل، فكان موقف ابن باز رحمه الله نورا بدد الله به الظلمات، وعلما أزال به الجهالات، وكلما مر عليه ملأ من أولئك المشاغبين المهيجين، ردهم بسلاح العلم والحجة والبرهان، وذكر لهم الأدلة الشرعية على جواز ما اتخذته الدولة من إجراءات، وفند شبههم، وتهويلاتهم.