تظل قضية (القدس الشريف) قضية المسلمين الأولى، بلا شك ولا ريب، وفي نفس الوقت ستظل هي قضية من لا قضية له؛ فمن يعرف يتكلم، ومن لا يعرف أيضا يتكلم، وصاحب العقل الموزون يدلي برأيه، وصاحب العاطفة الجياشة لا يتأخر هو الآخر، عن أن يخوض مع الخائضين..

الاستفزاز الأخير بتجديد أمر نقل السفارة الأميركية للقدس؛ سواء تم أو لم يتم، لا شك أنه يأتي في سياق متصل بما قبله من عدوان مباشر من قبل إسرائيل، أو غير مباشر من قبل أعوانها، وكلها أمور تستوجب التفكير المتعقل في إنقاذ المسجد الأقصى، والقدس، وفلسطين، والمهمة وإن كانت عسيرة إلا أنها ممكنة، ولكنها حتما تحتاج إلى تصحيح في النوايا، وصدق في العزائم، وأن تثبت الأمة أنها أمة حية، وأنها أمة قوية بقوة الله، وقوة دينها..

يجب أن تموت الخلافات بين المهتمين بالقدس، عندما يكون الكلام عن القدس، ويجب أن تتوحد جهود الساسة وأصحاب القرار، دولا ومنظمات، وأن يبذلوا جميعا ما يستطيعونه من قوة سياسية ومادية ونظامية ودولية، وأن نزيد من اهتمام قلوبنا وعقولنا بنصرة القدس وفلسطين، من خلال المناهج التعليمية، والوسائل الإعلامية المختلفة؛ وشخصيا لا يساورني كبير شك في أن الاستفزاز الذي تطرقت له آنفا، هو إعلان حرب على الهوية الإسلامية، وامتداد للاغتصاب الظالم لفلسطين المحتلة، وأنه ما كان ليكون ـ بعد إرادة الله تعالى ـ إلا بسبب ما تعيشه أمة الإسلام، والمنطقة برمتها من تنافر وتناحر وفرقة وفتن؛ وأتمنى أن يكون فيه ـ الاستفزاز ـ ما يوقظ المسلمين من سباتهم، ويقودهم إلى إدراك أن الأقصى هو الملتقى الذي ينبغي أن يلتقوا حوله، وأن يفهموا أن التشرذم والتشتت، منشطات للتطاول عليهم، وعلى مقدساتهم، وأن الخلاف مع الصهاينة ومساعديهم، خلاف عقيدة، وصراع بين وعدٍ حق، ووعد مفترى..

الأمل اليوم، ورغم كل ما سبق موجود، وأراه في «إيجاد حل عاجل ودائم للقضية الفلسطينية، وفقاً للقرارات الدولية ذات الصلة، (والمبادرة العربية)، ليتمكن الشعب الفلسطيني من استعادة حقوقه المشروعة لإرساء الأمن والاستقرار في المنطقة»، وهو ما تطرق له الديوان الملكي، في بيانه الشافي مؤخرا؛ وأن نفهم أن «هذه الخطوة ـ نقل السفارة ـ لن تغير أو تمس الحقوق الثابتة والمصانة للشعب الفلسطيني في القدس وغيرها من الأراضي المحتلة، ولن تتمكن من فرض واقع جديد عليها».