يقول نابليون «إذا ما أفاقت الصين من نومها فستدهش العالم حتما»، والجدير بالذكر أن الصين كانت تعاني في الستينات وحتى نهاية السبعينات من القرن الماضي اقتصادا مثقلا بالبطالة، وفقرا شائعا وجهلا اجتماعيا، وفي آخر أربعة عقود نهضت الصين لتصبح الاقتصاد العالمي الأسرع نموا عبر استراتيجيات عديدة أهمها مكافحة الفساد، حيث ما زالت الحملات المتعاقبة منذ السبعينات الميلادية لوأد الفساد الذي كان ينخر الاقتصاد، وحسب تصريح جهاز مكافحة الفساد في الصين فإن السلطات عاقبت نحو 1.34 مليون مسؤول منذ عام 2013 في إطار حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها الحكومة.
وهناك العديد من التجارب الإيجابية الأخرى كتجربة سنغافورة التي كانت تعد من الدول الأكثر فسادا بالعالم عند استقلالها، والآن أصبحت من الأقل فسادا بالعالم، حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية عبر سن أنظمة وقوانين صارمة حتى أصبحت سنغافورة اليوم رابع أهم مركز عالمي للأموال وخامس أغنى دولة من حيث احتياطات العملة الصعبة، كما يبلغ معدل الدخل الفردي للمواطن مستويات قياسية تصل إلى 60 ألف دولار للفرد. ومن المقولات الشهيرة التي يتهكم بها الشعب العربي على واقعهم المؤلم ما يروى عن لي كوان -رئيس وزراء سنغافورة- عندما قال: كان لدي خياران إما أن أمارس السرقة وأدخل أسرتي في قائمة أغنياء العالم وأترك شعبي في العراء، وإما أن أخدم شعبي ووطني وأدخل بلدي في قائمة أفضل الدول بالعالم، ولقد اخترت الخيار الثاني. ويتندر الكثير أن العديد من المسؤولين العرب اختاروا الخيار الأول بعد أن سبقهم لي كوان للخيار الثاني.
محليا أدى الفساد إلى ضياع الكثير من الأموال خلال العقود الأربعة السابقة، وأضاع العديد من الفرص لتحويل السعودية إلى نموذج مختلف، ونتمنى أن نرى منهجا واضحا للمحاسبة والعقاب واستراتيجية تثبت أن المملكة دولة مؤسساتية، وذلك لتطمين التجار والمستثمرين وأصحاب الأموال لتشجيع وتقوية وازدهار الاقتصاد، وذلك بزرع الشفافية والعدالة والمراقبة مع تسهيل الأنظمة وجعلها إلكترونية لسهولة المراقبة، وكبح جماح من تسول له نفسه كسر الأنظمة.
لعل الأحداث المتعاقبة لمحاربة الفساد (المحلي) قد تكون درسا قاسيا للمسؤولين من نوعية (كل فطير وطير)، وتحذيرا لمن كان يحلم بكرسي المسؤولية لتحقيق مطامع شخصية وأرباح خيالية، ولعل عام 2017 يخلد بذاكرة كل سعودي لأن الفطير أصبح مراقبا، والأجنحة لا تستطيع التحليق بعيدا.