استفادت المملكة من التجربة السنغافورية التي تعد أحد أرقى أنظمة التعليم في العالم، من خلال تصميم المناهج وتدريب المعلمين في مرحلة رياض الأطفال، في الوقت الذي كشفت دراسة عالمية استغرقت 19 عاما أن المهارات التي يتعلمها طلاب الروضة في عمر السنوات الـ5 قد تؤثر على فرص نجاح الطفل المستقبلية.
تباينت التجارب العالمية في مرحلة رياض الأطفال التي تعد من أهم المراحل التي يتم من خلالها رعاية الأطفال قبل دخولهم المدرسة الابتدائية وفق أساليب علمية منظمة تساعدهم على النمو السويّ المتكامل، فمرحلة رياض الأطفال ليست مرحلة للتدريس بقدر ما هي مرحلة للتنمية الشاملة لحواس الطفل.
فرص نجاح
كشفت دراسة عالمية استغرقت 19 عاما أن المهارات التي يتعلمها طلاب الروضة في عمر السنوات الـ5 قد تؤثر على فرص نجاح الطفل المستقبلية، وهذا ما أكدته دراسة أخرى أجريت في عام 2015 ونشرت في المجلة الأميركية للصحة العامة، حيث أكد الباحثون أن المهارات التي تتنبأ بنجاح مستقبلي باهر ليس لها أي علاقة بالقراءة والكتابة، بل إن مهارات الطفل الاجتماعية والعاطفية هي المهارات التي تحدد مدى احتمال أن يذهب للجامعة بدلا من السجن.
وأجرى باحثون من ولاية بنسلفينيا وجامعة دوك مقابلات مع معلمي رياض أطفال حول الكفاءة الاجتماعية والعاطفية للأطفال، وركز المعلمون على مدى مشاركة الأطفال واستماعهم للآخرين وحل المشاكل مع أقرانهم ومدى مساعدتهم للآخرين، وقد تابع الباحثون الأطفال إلى أن وصلوا إلى سن النضج ليظهر لهم أن الأطفال ذوي أعلى درجات الكفاءة الاجتماعية والعاطفية كانوا أفضل، فعند زيادة درجات الكفاءة الاجتماعية للأطفال في الروضة زاد احتمال حصولهم على درجات جامعية، أما الأطفال الذين واجهوا صعوبات في التعاون والاستماع وحل النزاعات كانوا أقل عرضة لإنهاء المدرسة الثانوية وكانوا أكثر عرضة للمشاكل القانونية وتعاطي المخدرات. فكلما انخفضت الكفاءة الاجتماعية في سن الخامسة ارتفعت نسبة احتمال اعتقال الطفل في سن البلوغ بنسبة 67%.
التجربة السنغافورية
حققت سنغافورة إنجازات هائلة جعلت منها دولة متقدمة، إلا أن الإنجاز الحقيقي الذي توصلت إليه هذه الجزيرة الصغيرة هو تطوير نظام تعليمي يعتبر أحد أرقى أنظمة التعليم في العالم بلا نزاع، حيث مكنها نظامها التعليمي من تكوين كفاءات وخبرات أسهمت في بناء اقتصاد البلد، والتجربة السنغافورية في التربية والتعليم من التجارب الرائدة التي تستحق الوقوف عليها والتوقف عندها من أجل الاستفادة منها. وأكدت دراسات أن تطوير المناهج في سنغافورة، بدءا من مناهج رياض الأطفال من خلال تضمين المناهج كيفية التعلم، وحل المشكلات، والتفكير الناقد القائم على قدرة تقدير الحقيقة ومن ثم الوصول إلى القرارات في ضوء تقييم المعلومات وفحص الآراء المتاحة، والأخذ بعين الاعتبار وجهات النظر المختلفة.
تدريب منهجي
استفادت المملكة العربية السعودية من تجربة سنغافورة وذلك من خلال تصميم المناهج الدراسية وتدريب المعلمين على تلك المناهج التي تراعي وتلبي احتياجات المتعلمين واحتياجات المجتمع في ذات الوقت، ولم تعتمد سنغافورة فقط على المال في بناء نظام تعليمي ناجح وقادر على تلبية حاجات الأفراد، بل كانت هناك رؤية ومشاركة مجتمعية قادت إلى بلورة وصياغة أهداف تعليمية واضحة المعالم والحدود، ويمكن تطبيقها على أرض الواقع، وهذا ما ينقصنا في البلاد العربية على العموم، والمملكة العربية السعودية لديها القدرات المالية لتصميم بنية تحتية رائعة، ولكن في نفس الوقت ينقصها الرؤية المجتمعية لما سوف يكون عليه طفل اليوم بعد 20 عاما.
تكامل الخدمات
أولى المسؤولون في الإدارة العامة للهيئة الملكية بالجبيل اهتماما كبيرا بتكامل الخدمات التربوية والتعليمية، بما في ذلك مرحلة رياض الأطفال، فقد أنشأت 20 روضة موزعة على مختلف أحياء المدينة بما يتفق وسياسة التخطيط العمراني العام لمدينة الجبيل الصناعية، وقسمت المدينة إلى أحياء ومحلات وحارات بحيث توجد روضة أطفال في مركز كل حارة تقريبا، مما يعكس الاهتمام الذي توليه الهيئة الملكية للمرحلة التي تسبق التعليم النظامي. وجرى تشغيل أول روضة في العام الدراسي 1398، وبلغ عدد الأطفال فيها 62 طفلا وطفلة، وتقوم إدارة الخدمات التعليمية بتشغيل 11 روضة يدرس فيها أكثر من 1350 طفلا وطفلة، ويعمل في هذه الرياض 135 موظفة، وتشجيعا من الهيئة الملكية للقطاع الخاص فقد أسند تشغيل بقية رياض الأطفال إلى مستثمرين سعوديين وبإيجار رمزي، وتسعى الهيئة الملكية إلى جذب القطاع الخاص للاستثمار في هذا المجال، حيث توفر لهم الأراضي المخصصة لهذه الخدمة وتوفر لهم الحوافز التشجيعية وخاصية تسهيل الكثير من الإجراءات الإدارية والفنية، كما توفر لهم المعلومات الإحصائية التي تشكل الأساس في خطط المستثمرين.
تجربة وزارة التعليم
تعد تجربة وزارة التعليم في رياض الأطفال تجربة حديثة، إذ بدأ الاهتمام برياض الأطفال الحكومية خلال العقد الأخير بعد أن كان الخاص هو المعني بتقديم خدمات رياض الأطفال منذ عام 1385، وافتتحت أول روضة من قبل وزارة المعارف عام 1386، في الرياض وتلتها روضتان في الدمام والهفوف 1387، وافتتحت في عام 1395 أول روضة في مكة، وكان ذلك بسبب استقالات عديدة من قبل المعلمات، حيث بلغت الاستقالات في اليوم الواحد 3 لصعوبة ترك الأبناء، بعدها زاد عدد الروضات بسبب الحاجة وافتتحت دور للحضانة، وفي عام 1400 أصبح الإشراف تابعا للرئاسة العامة لتعليم البنات، وبالتالي تقلص عدد الروضات التابعة لوزارة المعارف وبقيت روضة واحدة فقط تابعة للوزارة لفترة من الزمن هي «معهد العاصمة النموذجي»، إلى جانب عدد من الروضات تم افتتاحها من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.
عوائق وصعوبات
تفتقر الروضات الأهلية والحكومية إلى معايير جودة البيئة التربوية وصعوبة توفير المباني المدرسية وتجهيزها وافتقارها للشروط والتجهيزات اللازمة ومعايير البرامج المقدمة لهم، فضلا عن غياب معايير إعداد المعلمة في الجانب النظري للبحث، حيث لا توجد طبيبة خاصة بالأطفال، فمن العوائق التي تواجه المجتمع أن تسجيل الطفل في الروضة الحكومية يشترط أن تكون والدة الطفل موظفة، وهذا فيه حرمان للأطفال من التعليم المجاني في الروضات الحكومية حال كانت الأم ليست موظفة، إلى جانب عدم تطوير أداء معلمة رياض الأطفال وتوظيف غير المتخصصات إداريا وتعليميا، بل إن هناك من يرتبط مع معلمات بعقود للعمل في رياض الأطفال ويتم الإعلان عنها بين حين وآخر، بالإضافة إلى تسرب المعلمات من التعليم الابتدائي وبقية المراحل والانتساب للروضات طمعا في الخروج المبكر وتخفيف الأعباء وقلّة عدد الأطفال، خاصة السعوديين الملتحقين برياض الأطفال، وعدم وجود الوعي الاجتماعي بأهمية هذه المرحلة وضرورتها للطفل.
