طالب البعض مؤخراً بضرورة أن يكون هناك (رقيب شرعي) على كل وسيلة إعلامية في المملكة، وأن يتم الاطلاع على الصفحات والمقالات المعدة للنشر قبل طباعتها، حتى يتم منع المقالات الصحفية التي تثير البلبلة وتطعن في بديهيات الشرع الإسلامي، والتي تمثل في الحقيقة طعناً في وجهات نظرهم الخاصة وليست طعناً في بديهيات الشرع كما يدعون.

ولكن قد يستشف من هذه المطالبات أنه بالفعل لا يوجد رقيب شرعي على الإعلام بينما في الحقيقة أن وزارة الثقافة والإعلام هي الرقيب الفعلي والشرعي، وذلك حسب نظام المطبوعات والنشر ولائحته التنفيذية، وهذا النظام يعتبر الإطار القانوني والشرعي المنظم للأنشطة الإعلامية في المملكة، والرقابة على تطبيق هذا النظام تعد من المسؤوليات الرئيسية للوزارة.

وقد يقول قائل بأن المقصود بالرقيب الشرعي هنا هو الرقابة على المقالات التي تتحدث عن الأمور الدينية، والوزارة ليس لها علاقة بالأمور الشرعية والدينية، كما يرى البعض أن المادة الرابعة والعشرين من نظام المطبوعات تؤكد على ما سبق والتي تنص على: "لا تخضع الصحف المحلية للرقابة إلا في الظروف الاستثنائية..."، وهم بالتالي يطالبون بأن تخضع كل مادة إعلامية للرقابة من قبل متخصص في العلوم الشرعية قبل نشرها.

وهذا النوع من الرقابة في الحقيقة يفتك، كما هو واضح، بالعمل الإعلامي ويعيق تطوره ووصوله إلى ما وصل إليه الإعلام في العالم المتقدم، فضلاً عن وجود بعض المغالطات والمتمثلة في أن الأنظمة والقوانين لا تحقق مقاصد الشرع الإسلامي. وهنا لن أتحدث عن حرية الصحافة وتحدياتها، ولكن أجد من المناسب توضيح دور وزارة الثقافة والإعلام كرقيب شرعي على الصحافة بشكل خاص، وعن الشرعية الدينية للأنظمة والقوانين بشكل عام، وذلك دليل على أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان ولأي مجتمع مهما تغيرت الحياة والظروف.

فالمتدبر للقرآن الكريم يجد أن العدل والمساواة على سبيل المثال تعد مطلبا أساسيا وشرعيا للدين الإسلامي، يقول الله عزّ وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المائدة/8.

وعلى ضوء ذلك، فالعدل أمر إلهي ومطلب شرعي في جميع الأمور ولكن كيف يتم تحقيق هذا العدل؟ أليس عن طريق الأنظمة والقوانين والتي ليس لها نص قرآني ثابت، فالموظف على سبيل المثال كيف يعدل في عمله؟ والطبيب والمهندس والمحاسب والنجار والحدّاد كيف يعدلون في مهنهم؟ وأعمالهم أيضاً أليست تتغير وتتطور من زمن إلى آخر ومن مكان إلى آخر؟ وبالتالي فهم يحتاجون أيضاً إلى معايير مهنية وأنظمة وقوانين تتغير بتغير الظروف والعوامل الأخرى، لذلك نجد هناك أنظمة للخدمة المدنية وأنظمة للصحة وأنظمة للأمور المالية...إلخ.

والصحافة أيضاً مهنة إعلامية، تحتاج إلى وجود أنظمة وقوانين ومعايير مهنية تنظمها لتحقيق العدالة فيما تقدمه للناس، ولضمان حقوق وواجبات الصحفيين في تعاملهم مع الآخرين.

ومن تلك الأنظمة، نظام المطبوعات والنشر، وأنظمة المؤسسات الإعلامية، وهيئة الصحفيين، بالإضافة إلى المعايير المهنية للصحافة والمتفق عليها دولياً، ومنها على سبيل المثال النزاهة والموضوعية والمصداقية والاستقلالية والعدالة وقواعد السلوك المهني، ناهيك عن المسؤولية القانونية للصحفيين بشكل عام.

وهذه الأنظمة والمعايير في مجملها تهدف إلى تحقيق العدالة والتي أمر بها الدين الإسلامي الحنيف، وهي تتغير وتتطور من زمان ومكان إلى آخر، لذا يقول الله عزّ وجل: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) الشورى38، والشورى تتطلب البحث والدراسة والمراجعة والتقييم لكافة الأنظمة والمعايير، حسب المتغيرات والظروف.

وهنا أصل إلى نتيجة مفادها أن الأنظمة والقوانين والمعايير مطلب أساسي وشرعي للعدالة التي أمرنا بها الله عزّ وجل، وأن عدم وجود رقابة شرعية على الصحافة كلام تنقصه الدقة والحقيقة بل ويخالف أنظمة وقوانين البلاد.

فهناك منظومة رقابية شرعية موجودة تبدأ من الصحفي نفسه وذلك باتباعه المعايير المهنية، وإدراكه للمسؤولية القانونية لمهنته والمنبثقة من الأنظمة والقوانين، وهناك الإشراف الصحفي أيضاً من قبل هيئة التحرير والتي تخضع أيضاً لمعايير وإجراءات مهنية، بالإضافة إلى أنظمة وقوانين المؤسسة الإعلامية ورسالتها، وأنظمة وقوانين الدولة ككل، والتي منها نظام المطبوعات والنشر.

وحتى تتضح الرؤية أكثر أستعرض للقارئ الكريم بعض مواد النظام والدور الرقابي لوزارة الثقافة والإعلام في هذا المجال، ولنبدأ أولاً بنص المادة الرابعة والعشرين من النظام آنفة الذكر والتي تتضمن أن الصحف المحلية لا تخضع للرقابة، والمقصود بالرقابة هنا الرقابة المسبقة على ما ينشر في الصحف والتي هي من ضمن مسؤوليات الكاتب والصحفي ورئاسة التحرير، وهذه المسؤولية تحكمها معايير مهنية متعارف عليها كما رأينا آنفاً، وقد نص النظام على ذلك صراحةً في المادة (33).

أما الرقابة اللاحقة فهي من اختصاصات وزارة الثقافة والإعلام حسب نص المادة (45) والتي تنص على أن "الوزارة هي الجهة المنوط بها متابعة تنفيذ هذا النظام ومساءلة من يخالفه"، والجدير بالذكر أن النظام تضمن حظر أي مواد إعلامية تسيء إلى الدين الإسلامي أو تثير البلبلة، وبالتالي ليس هناك أي مسوغ للمطالبة بوجود رقيب شرعي على الصحافة.

وفي النهاية أؤكد على أن الأنظمة والقوانين والمعايير المهنية إحدى الوسائل المهمة لتحقيق متطلبات الشريعة الإسلامية كما رأينا، ولتحقيق العدالة وحماية حقوق الناس وهي تتغير وتتطور بتغير الظروف البيئية المحيطة بالمجتمع البشري، وليس كما يعتقد البعض أنها قوانين وضعية ليس لها أساس شرعي، وآمل من مركز المناصحة أن يكون هذا المفهوم من ضمن أجندته وبرامجه تحقيقاً للأمن الفكري في وطننا الغالي.