لاشك أن القرارات الملكية كالعادة أثلجت الصدور، وأكدت ما كان معهودا سابقا من قرب القيادة السعودية من شعبها، وحرصها على مبادرته بكل ما من شأنه إعانته وتحسين وضعه المعيشي.
ومع ذلك فإن ما يحدث من نزول لأسعار النفط، وتهديد بقرب نفاده حقيقة لا يلغي رحمة الحكومة بالمواطن ومحاولة مساعدته، رغم أنها مضطرة لتطبيق إصلاحات حقيقية، سيتبعها كثير من الضغوط على الدولة وعلى الشعب، فإذا رأينا الحكومة تقدم هذه المساعدات فلا يعني أن المواطن عليه أن يستمر في سلوك كان يقوم به عندما كان البترول بمئة دولار هذا غير عادل أبدا، ولن يجعل الأمور تسير لذا علينا جميعاً مراجعة طريقتنا في إدارة صرف ميزانياتنا.
فمن لا يرغب في فاتورة كهرباء تثقل ميزانيته فليجعل من نفسه مراقبا لعداد الكهرباء ليس هو فقط، بل أسرته كأن يخصص رقما للفاتورة كل زيادة منه تؤخذ من بند النزهات والمطاعم والسفر، هذا سيجعل حتى الأطفال يحرصون على إطفاء الأنوار، وعدم ترك التلفزيون مفتوحا أو إطفاء المكيفات في وقت ما من الليل، وعدم إضاءة غرفة فارغة.
إن ثقافة إضاءة سُور المنزل والتباهي بعقود الإضاءة وعدم الاكتراث بالاستهلاك يجب أن تنتهي، فلسنا في مسابقة مَن بيته أكثر إضاءة، وهو ما تشعر به في شوارع الأحياء في الرياض، عكس ما تراه في لندن، حيث لا يضيء مدخل البيت إلا إذا مررت به، وهذا أيضا تقنية قد تساعد في تخطي مشكلة فواتير الكهرباء.
كذلك مسألة خادمة وسائق لأسر دخلها محدود يمكنهم أن يستخدموا أيديهم لترتيب أسرتهم وطبخ وجباتهم وإيصال أطفالهم، وبالتالي توفير مبلغ يصل إلى خمسة آلاف ريال في الشهر، وأكثر من خمسين في السنة، قد يمكن الأسرة من أن تسافر في رحلة إلى ماليزيا مثلا، ناهيك عن توفير دخل ووقف للهدر في دخلهم المحدود.
بعض الأسر أيضا تحضر معلمين خاصين لأطفالهم في واقع أصبحت كل المواد موجودة على الإنترنت، وتستطيع الأم والأب مساعدة الأطفال في تلقيها، وبالمناسبة وزارة التعليم لديها قناة رائعة تستخدمها ابنتي في بريطانيا، ويمكنكم تعويد أطفالكم عليها وغيرها من القنوات لمعلمين عالميين بالعربية وبكل اللغات وهي مجانية.
وإذا كان البنزين ارتفع سعره فبإمكانك قضاء مشاويرك القريبة على قدميك.
وإذا كان العمال غادروا وزادت أجرة من بقي، فواجبك أن تتعلم كيف تصلح ما يحتاج إلى الإصلاح.
وهذا يدعوني إلى الاقتراح على البلديات إقامة دورات في تعلم الإصلاحات المنزلية التي تستدعي تعلم مبادئ مهن مثل السباكة والكهرباء والتجارة، وهي ما تقدمه البلديات في بريطانيا، حيث يحضرها حتى أصحاب المهن عالية المدخول لأن استشارة سباك تصل إلى 500 ريال، ومن لا يرغب في أن يدفع فعليه أن يغني نفسه ويتعلم ثم يحل مشكلته.
إن ما سبق ذكره سيبدو للناس في بلد كبريطانيا وأميركا غريبا لأنه بديهي وهي بلاد دخل الفرد فيها عالٍ، لكنه مع ذلك لا يبذر ماله في المباهاة والعزائم والخادمات، ونحن أولى منهم بالحرص وتغيير العادات لأننا قريبون عهد من سلوكيات كانت جزءا من حياة أجدادنا، فما لها تغيرت علينا واستوحشناها، لكن لعل هذه الإصلاحات تصلح سلوكياتنا أيضا.