عام مضى، وعشرون يوما تقريبا على الأربعاء الأسود الذي حول عروس البحر الأحمر إلى عجوز متغضنة الملامح، وكشف عوار بنيتها التحتية وأحيائها العشوائية وتراخيصها المخالفة؛ والفساد المالي والإداري المستشري في هياكل ومفاصل دوائرنا الحكومية ووزاراتنا الذي استدعى صدع والدنا الملك عبدالله ـ شافاه الله ورده سالما ـ ببيان (كائنا من كان)، مناديا بزمن جديد يفترض أن تحكمه المحاسبة والمساءلة! عام مضى ودماء الضحايا وأرواحهم البريئة لا تزال تئن في مضاجعها تتساءل بأي ذنب قتلت واستلبت منها الحياة؟! ولماذا لم يحاسب اللصوص والقتلة المتسببون في ضياع الأرواح والأموال وتهتك البنى التحتية وإعطاء التراخيص في مجاري السيول؟! عام مضى وأرواح الأبرياء تتملل وترفع المزيد من الأسئلة عن المشاريع الضائعة، والميزانيات التي تنتفخ على الورق دون مردود حقيقي على أرض الواقع؟! عام مضى والأرواح البريئة قلقة في مثواها، تخشى انضمام ثلة جديدة من الضحايا وتتوجس من دماء بريئة تسفك على مقصلة الفساد واحتباس المشاريع وبقاء الأحوال على ما هي عليه! عام مضى وأراوح الأبرياء تئن وتتوجع تطالب بالعدالة وكشف الحقائق والعمل على تفادي كوارث جديدة تحل بالبلاد والعباد، ليس فقط في جدة؛ بل في كل مدننا التي بتنا نخشى أن تنكشف عوراتها ذات مطر!
عام مضى وما زال أهل جدة يضعون أيديهم على قلوبهم، كلما حبلت السماء بتابشير مطر، أو حملت نشرات الأخبار وعودا بموسم غيث جديد! عام مضى وما زالت قطرات المطر الغالية فزاعة تخيف أهالي جدة، وتخيف من ورائهم سكان مدن المملكة الأخرى الذين يتوجسون خوفا مما قد يحدث إذا ما هطل المطر، أو إذا ما حصل تغيير مناخي! عام مضى والغضب الشعبي ما زال يتأجج في النفوس متسائلا عن خطط للطوارئ والكوارث، وعن دور وزارة الصحة في هذه الخطط، وعن ردها فيما رفعته لها جمعية حقوق الإنسان عن عدم توزيع الخدمات بشكل متوازن في مناطق المملكة! عام مضى بأيامه ولياليه ولا تزال المدارس تتضرر من المطر، وما زالت الأنفاق تثبت فشلها الذريع، وما زالت مياه الأمطار تبحث عن مكان تتصرف فيه!
عام مضى وما زلنا نسمع تحذيرات أطلقها مجلس جدة البلدي ـ في السادس من ديسمبر الحالي ـ من كارثة بيئية بسبب تفريغ مياه الصرف الصحي في أودية شرقي جدة القريبة من الأحياء السكنية! عام مضى وما زال المجلس البلدي يرفض لقاء أهالي جدة ويمتنع عن الإجابة على تساؤلاتهم فيما يخص أمن وسلامة مدينتهم وتداعيات ما بعد الكارثة! عام مضى والمجتمع المدني الذي أورق في جدة وأينعت جهوده على يدي الكارثة ما يزال غير قادر على ممارسة دوره الحيوي، وغير ممكن من العمل المستقل الفعال من دون الرجوع لجهات رسمية تحد من صلاحياته وفعاليته! عام كامل وما زال المجلس البلدي النصف منتخب ليس له دور واضح أو صلاحيات نافذة على أداء الأمانة، مع أنه القناة اليتيمة للمشاركة الشعبية في صناعة القرار التي تلعب دورا فاعلا في قمع الفساد والمفسدين!
عام كامل مضى وما زلنا وإياكم من المنتظرين!.