كانت القاعدة السائدة منذ آلاف السنين في الطب، ومنذ عهد أبقراط أبو الطب وقسمه الشهير إلى أيامنا هذه، أن يعامل الناس والمرضى سواسية في العلاج وغيره، ولكن الآن نشهد تغييرا كبيرا في تاريخ البشرية سيغير الطب ويغير حياة البشر للأبد.

ليست من عادتي الكتابة كثيرا عن المواضيع الطبية في مقالي الأسبوعي. لكن الآن تحدث ثورة هائلة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، فمن حق القارئ الاطلاع على ما سيأتيه ويشاهده حاليا، وخلال السنوات القليلة القادمة.

ربما قد تساءلت في حياتك: ما نوع الأمراض التي ستصيبك؟ وتتمنى لو كانت لك القدرة على معرفتها قبل أن تصيبك بسنوات، وأحيانا أخرى تتساءل: لماذا فلان من الناس لم تصبه الأمراض رغم أنه مدخّن شره، وفلان تصيبه الأمراض وهو أكثر الناس حفاظا على صحته؟! هل كل ما يدّعيه الأطباء صحيح؟!

في بعض الأحيان، تتمنى لو كنت تعرف مسبقا أن قريبك أو صديقك سيصيبه مرض خبيث، فيمكنك إنقاذه

أو حتى تكون قريبا منه في سنوات عمره قبل وفاته.

نعم، الآن كل هذا أصبح ممكنا، فبعض الأمراض التي ستصيب الشخص في المستقبل يمكن التنبؤ بها حتى قبل عشرات السنوات من حدوثها.

عندما بدأ مشروع الجينوم البشري، وتحليل الجينات للإنسان في بداية التسعينات، استغرق حوالي 13 سنة، وكلّف حوالي مليار دولار، ومع الوقت بدأت التكلفة تقل وتتحسن الأدوات والإمكانات والمعرفة، والآن يمكنك أن تعمل تحليلا لجيناتك بألف دولار فقط! هل تصدق؟! خلال سنوات قليلة نقصت التكلفة مليون مرة!

دعونا نضرب مثالا واقعيا كي تتضح الصورة للقارئ، لو أحضرت أيها القارئ الكريم ابنتك الصغيرة أو قريبتك وهي سليمة تماما، ولا تعاني أي مرض، وأجريت لها تحليلا وهي صغيرة، ووجدت أن لديها طفرة جينية ضارة في جين «بركا»، فهذا يعني أن لديها قابلية حوالي 60 % كي يصيبها سرطان الثدي في مراحل حياتها، وهذا يجعلها أكثر حذرا في فحص ثديها، وأكثر حرصا على المراجعة، وفي أسوأ الأحوال ربما تزيل الثدي وتزيل معه قلق الإصابة بالسرطان، هذا مجرد مثال لعشرات الأمثلة والأمراض التي من الممكن التنبؤ بحدوثها.

سأعطي مثالا آخر مبسطا ومستخدما، يتلخص في أن الجينات تتحكم في أمراض، وتعاطي الشخص مع الأدوية، وهو ما يظهر أن البشر ليسوا سواء كما كان يعتقد الصيادلة والجرعات، فالبندول الذي يستخدم بشكل شبه يومي لعلاج الصداع والألم، والجملة الشهيرة «حبتين بنادول»، فهل تعلم أن بناء جيناتك وتحليلها لو أعطينا 3 أشخاص في العمر والوزن نفسيهما الجرعة نفسها «جرعة معينة من البندول»، فربما الأول تكون الجرعة فعّالة وفي المستوى المطلوب في الدم، والشخص الآخر تكون في مستوى منخفض جدا فلا تؤثر عليه، والثالث قد تكون الجرعة عالية جدا وقد تسبب مضاعفات خطرة وهي الجرعة نفسها.

سابقا، كان الأطباء والصيادلة يعتمدون على الوزن والعمر لتحديد الجرعة، والآن الطريقة قد تتغير إلى فحص الجينات البشرية.

هذه أمثلة بسيطة لما يسمى حاليا «الطب الشخصي»، الآن منذ أن تولد أو حتى قبلها يمكن معرفة ماذا سيحدث لاحقا، أو معرفة ما العلاج المفيد لك، الأمثلة والتطبيقات بالعشرات على ثورة الطب الشخصي. والمجال لا يتسع لذكر العشرات من الأمراض.

كل مريض في الدول المتقدمة سيكون التحليل الجيني جزءا رئيسا من ملفه الطبي المستقبلي، مثل علاماته الحيوية وضغطه وطوله، بل إن بعض المراكز الطبية المتقدمة بدأت من الآن في ذلك.

الآن، هناك ثورة جديدة لتعديل الجينات وليس فقط الوقاية منها، وبدأت حاليا في بعض الدولة المتقدمة، بل خلال أشهر قليلة ستظهر بنوك لتصنيع الأعضاء من الخلايا الجذعية، وقد بدأت الإجراءات فعليا منذ أشهر. وعندما نتكلم عن قطع غيار بشرية تصنع في البنوك فنحن لا نخالف الواقع.

أين عالمنا العربي، أو بالأحرى بلدنا من هذا التقدم؟ صراحة لا أتوقع كثيرا منهم، فبعض الوسط الصحي وبعض القائمين عليه لا يختلفون عن بقية المجتمع، يرفض كل جديد حتى يرى العالم كله يستخدمه، ثم يلحق ببقية الركب، مثل جوال أبو كاميرا، مثل الراديو، مثل أي شيء جديد يرفضونه لمجرد الرفض والجهل بماهيته، ثم يستخدمونه.

أذكر قبل عقد من الزمن، عندما بدأت ثورة الخلايا الجذعية، كانوا بجهلهم يرفضونها، والآن تتنافس المستشفيات على إنشاء أقسام لها بعد انتشارها في العالم، وهذا ما يحدث لثورة الطب الشخصي والتحليل الجيني، الذي سيوفر مئات المليارات على حكومات العالم، وسينقذ حياة الملايين على وجه الأرض.

في الختام، أتذكر مقولة سابقة لريتشارد كارمونا عن الإنسان العادي، وهو لا يعرف للأسف أن المجتمع ابتُلي ببعض أنصاف المتعلمين في الصحة، يقول «الإنسان العادي لا يستطيع أن يعرف ما هي الخلايا الجذعية، هناك نقص في المعرفة الصحية في أمتنا، لذلك المجتمع لا يستطيع الدخول في هذا الحوار، لأنه لا يفهم تعقيد الخلايا الجذعية، ليس الموضوع موضوع اعتقاد أو إيديولوجيا، وليست سياسة، لكن هو العلم الذي خلف الخلايا الجذعية».

فأتوقع أن يحدث السيناريو نفسه مع ثورة الطب الشخصي، ومع الوقت عندما ينتشر حول العالم سيهرولون نحوه، وسينكرون أنهم كانوا ضده، لكن خلال هذه السنوات من الرفض والقبول سيخسر البلد كثيرا من المرضى.