كان يوما جميلا من أيام الشتاء في منطقة جازان، استيقظ الأب يملأه النشاط والفرح، وعندما أشرقت الشمس بأشعتها الدافئة وكانت نسمات الهواء العليل تُغري النفس بالسرور والمرح، قرر الذهاب برفقة أبنائه الستة وأمهم في رحلة بعد فصل دراسي واختبارات زرعت الملل والكآبة في النفوس. لكن كل هذا الفرح والحب اغتالته حفرة في طريق معبد. لم يستيقظ من صدمته إلا في المستشفى وحوله الأهل والأقارب يبلغونه بضرورة الإيمان بالقضاء والقدر وأن كل شيء قد ذهب.
انعقد لسانه وأظلمت الدنيا في عينيه. فقبل لحظات كانت ضحكاتهم تملأ المكان وكانت أحلامهم تسابق أعمارهم. أراد أن يصرخ أن يبكي أن يعترض ثم تذكّر قوله تعالى (والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وأنا إليه راجعون). أحضروهم إلى المسجد وقد ألبسوهم البياض، ترقرقت في عينيه الدموع، فبكى وأبكى كل من رآه، وانكبّ عليهم يقبّلهم وهو يعلم أنه الرحيل.
كبش الفداء في تاريخنا الإسلامي يرتبط بقصة سيدنا إسماعيل عليه السلام، عندما افتداه الله سبحانه وتعالى من الذبح بكبش عظيم، وأصبح هذا الفداء شريعة في منهجنا الإسلامي مع كل عيد أضحى مبارك. ولكن كبش الفداء في ديانات أخرى له دلالات مختلفة، ففيها يقوم رجل الدين بلمس جبهة الكبش، وهو يردد أن هذا الكبش يتحمل كل الخطايا والشرور التي اقترفها المخطئون، ثم يقوم رجل الدين وأصحاب الخطايا بدفع الكبش من مرتفع شاهق فيموت وتموت معه كل الخطايا والأخطاء!! ويصبح أصحاب الذنوب في حل من شرورهم وآثامهم وأخطائهم. وكبش الفداء في قضايا التجاوزات المالية وفساد مشاريع البنى التحتية وما يترتب عليها من خسارة في الأرواح والممتلكات هو دائما ذلك الموظف البسيط، الذي يتحمل كل الأخطاء فيقتنع العامة بذلك وتهدأ نفوسهم، ويقر غضبهم وينسون كارثتهم.
لجازان حكايا لا تُنسى مع طرقها التي كانت وما زالت تأخذ قرابينها كل سنة من الشباب والأطفال والنساء، فما زالت الذاكرة مليئة بقصص وروايات تلك العائلات. ومع كل أصوات تتعالى وتطالب بإيجاد الحلول، فيكون الحل سريعا وفاعلا، وهو إعفاء مسؤول صغير، فتهدأ الأنفس وتجبر الخواطر ثم تعود للاشتعال مرة أخرى مع كارثة جديدة. قبل أشهر زار مسؤولو وزارة النقل المنطقة، ووقفوا على رداءة مشاريعها وسوء تنفيذها فقاموا بإعفاء مدير وتعيين مدير، وظلت المشاريع بنفس السوء. والآن ومع فقدان أب لستة من أبنائه وأمهم كان الحل نفسه، الذي لا زال يرى فيه مسؤولو وزارة النقل حلا ناجعا للتعامل مع كوارث جازان وفواجع طرقها. ورغم إعفاء المدير والاعتراف بقصور متعهدي الصيانة، إلا أن بيان الوزارة لم يتطرق إلى عقوبات أو غرامات أو إعفاءات لشركات الصيانة، وكيف تمت ترسية المنافسات عليهم رغم سوء إدارتهم وأدائهم. وأخيرا رحل الآلاف من الأبرياء، ولحق بهم أم وستة من الأبناء، وسيتم إعفاء العديد من البُسطاء، ولكن ستظل تلك الحفرة وشركات الصيانة والتعساء.