في غالبية المؤتمرات الرصينة، يتعلم الإنسان في داخل قاعة الفعاليات، وعلى هامش اللقاءات، ما يضيف إلى
ما عنده، كثيرا من المعارف المهمة، وخصوصا إذا كان الموضوع يعالج شأنا حياتيا عاما؛ وهذا بالضبط هو الذي حصل معي طيلة يومي الأربعاء والخميس الماضيين، في (مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الشريف)، الذي جاء بعد 30 عاما، من آخر مؤتمر عقده الأزهر الشريف، بشأن القضية الفلسطينية..
هناك في العاصمة المصرية الغالية، اجتمع المهتمون بالقدس، من 86 دولة، وكان الهم واحدا، ولم يقل المسيحيون ـ بل ـ ووفد (يهودي) من حركة (ناطوري كارتا)، عن المسلمين، في رفع الصوت ضد العبث الهمجي، والعربدة، والطغيان، الذي يقوم به الكيان الصهيوني، المدعوم في احتلاله من قبل السياسات الدولية المتصهينة..
تعلمت ـ وغيري ـ من رئيس المؤتمر، والداعي إليه، فضيلة شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين أنه ليس لنا أي عذر أمام الله تعالى، وأمام التاريخ من أن نبقى ضعفاء مستكينين متخاذلين، وأن (القدس) كانت، ومنذ الأزل، إسلامية مسيحية، وأنها في صميم وجدان المسلمين والمسيحيين، وأنها عربية، ولم تزل كذلك، وأنها تهم كل المسلمين في العالم، وأنها زهرة فلسطين، وقلبها النابض، وعاصمتها الأبدية، وأنها واقعة تحت الاحتلال، وأنها ليست ميراثا لـ(آرثر بلفور)، ولا لـ(دونالد ترمب)، ولا لغيرهما، وأن القرار الأميركي الأخير المتعلق بالقدس باطل، وغير شرعي، ومدان، ومرفوض، وأن عدم التراجع عن هذا التحدي سيؤثر على مسيرة التنمية، وسيؤدي إلى التوتر، وعرقلة جهود السلام العالمي، وأنه لن يكون هناك سلام مستقبلي، في ظل وجود الإيديولوجيات المتطرفة، وأن قتلة أطفال فلسطين هم من جلبوا الإرهاب إلى منطقتنا، وأن نصرة أهل الأقصى من نصرة الأقصى، وأن الشعوب المختلفة لا بد أن تحترم التنوع، والتعايش، والفكر الصادق، وأنه ليس من حق أحد التدخل في ديانة وعقيدة الآخرين، وأن كل قوة متسلطة محكوم عليها بالانحطاط، وأن كل احتلال إلى زوال، عاجلا أو آجلا، وأن امتلاك القوة كفيل بإرغام المعتدي على إعادة حساباته، وأن الأبعاد المتشابكة لقضية القدس؛ السياسية والقانونية، يجب ألا تنسينا البعد الديني لها، وأن محاولة المحتل تغيير هوية المقدسيين، تلزمنا بصون هوية القدس، وأن علينا استعادة الوعي بقضية القدس، وأن ـ كما قال معالي الشيخ صالح آل الشيخ، وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، في كلمته الضافية في المؤتمر ـ «نصرة القدس فرض لازم، لا محيد عنه، وعقيدة ماضية، وشريعة راسخة»..
تعلم الحضور، من مؤتمر نصرة القدس، الذي نظمه الأزهر الشريف، بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين؛ أنه ليس هناك حق للصهاينة في تمثيل اليهود، وأن لفظة (إسرائيل) التي يستعملونها تزييف مشين منهم، وأنه ليس هناك ارتباط بين الصهاينة وقادتهم، وبين الشعب اليهودي، وأنهم ليسوا يهودا على الإطلاق، وأنه يجب التفريق بين (اليهودية) كديانة، و(الصهيونية) كحركة استعمارية، وأن (الصهيونية المسيحية) لا تعرف إلا تبرير الاستيطان، والتطهير العرقي، وأنها أسوأ من (الصهيونية اليهودية)، بالرغم من اشتراكهما جميعا في الإيمان بمقولة «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض»؛ وأختم بأن القدس والأقصى لا يحتاجان إلى الدموع، ولا التباكي، وإنما يحتاجان بداية إلى مشابهة جد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله لأبرهة: للبيت ـ للأقصى ـ رب يحميه، مع عدم إغفال الفكر الصادق، والوعي المستمر، والعمل الدائم.