إن أي قضاء في العالم يدور حول رحى القوانين، فلا تجد القاضي يطبق ما يراه بعلمه الشخصي وخبرته في الحياة، أو يطبق آراء فقهية لا تصلح لهذا الزمان والمكان، فالقضاء في الجانب الآخر من العالم حي ويتفاعل ويتغير بمبادئ قضائية وسوابق يضعها قاض درس القانون وأشبعه دراسة وتطبيقا، فالقوانين الموضوعية، من ضمنها قانون الأحوال الشخصية، تنظم شؤون الحياة الشخصية، ولا تضع هذه الشؤون تحت طائلة آراء فقهية هي اجتهادات بشرية تفنى باجتهاد آخر مثيل، هذه القوانين الموضوعية لا بد لها من تقنين وتدوين، فهناك آلاف الآراء الفقهية التي تضع الناس في حرج لعدم معرفتهم بها أو لأن قاضيا ما يتبع رأيا معينا لا يتبعه قاض آخر، ويسبب هذا بالطبع ظلما مبينا يؤدي لاختلاف الأحكام وتباينها بشدة، بشكل تجرح معها العدالة جرحا لا يستقيم إلا بالتقنين الذي يواكب متغيرات المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وإنسانيا، ويخل الاختلاف بالأحكام وبالمساواة بين الجميع.

من هذه الجروح العدلية التي لا تندمل، موضوع تكافؤ النسب، ويعني أن زوجة ما أو زوجا ما نسبه لا يناسب أو يكافئ الآخر، وهذا مما يمنع زواجهما أو قد يؤدي للتفرقة بينهما حتى لو كان بينهما أولاد بحكم قضائي مجحف، بل يصل الأمر أن لا يملك بالغان عاقلان أمرهما رغم أن عقد الزواج بين طرفين فقط، وينتج آثاره بينهما، فيتم مثلا التعامل مع المرأة البالغة العاقلة على أنها ناقصة أهلية ويرجع لرأي ولي أمرها! هذه الممارسة، سواء كان لها غطاء فقهي أو لم يكن، فهي غير إنسانية، وما دام أن رأيا فقهيا غير إنساني، إذن فهو قابل للتغيير والتقنين، لأنه مبني على اجتهاد شخصي، لكن السؤال القائم كيف دخل هذا المفهوم تكافؤ النسب إلى حيز الدين وتلبسه؟

الناظر لعلم الاجتماع قد يفهم أشياء كثيرة حولنا، أولها أننا مجتمع قبلي حتى من قبل الإسلام، وهذا يعني أن موضوع القبيلة وقوانينها ضارب بجذوره في طبيعة أبناء الجزيرة العربية، وصعب الانفكاك منه، لذا فإن اختلاط بعض مفاهيم القبيلة بالدين هو شيء مفهوم تمام الفهم، فالإسلام ولد في وسط قبلي، ولكنه كان في ذلك الوقت ثورة على مفاهيم القبيلة وقوانينها، ومع وفاة الرسول الكريم -ومفهوم كذلك أنه مع كل ثورة هناك قوى مضادة تقاوم هذا التجديد وتحاربه- أصبح المصدران الرئيسيان، الكتاب والسنة، خاضعين لرؤى شخصية، فالناس أفهامهم تختلف جدا، وكل شخص يفهم نصا ما أو حادثة ما أو أثرا نبويا طبقا لتجاربه الشخصية وزاويته وبيئته القبلية التي نشأ بها، حتى لو شهد هذا الأثر بنفسه، وما يستتبع ذلك لا يدع مجالا للشك بأن القبيلة أدخلت قوانينها ضمن الدين كقوة ناعمة، فالعربي القح يعتقد أن اختلاط نسبه بنسب آخر غير مكافئ هو جريمة في نظره.

فكرة تكافؤ النسب قديمة قدم البشرية، فهي مأخوذة من فكرة الدم النقي «العرق النقي»، ففي الحضارة الفرعونية كمثال كان حال الفراعنة أن يتزاوجوا من بعضهم، خوفا من اختلاط نسبهم بأنساب الأجناس الآخرين الوضيعة، ومن هذه الفكرة نفهم فكرة تكافؤ النسب وإبقاء النسب القبلي نقيا لا تشوبه شائبة، إذن فهو مفهوم نفسي تراكمي عميق جدا جدا، تحور من شكل إلى آخر حتى وصلنا بفكرة تكافؤ النسب، كما هو عليه الحال الآن، فإن تطويع النص هو شر الشرور، وهو ربما شر لا بد منه عند البعض، فتم تطويع النص لغاية هذه المفهوم تكافؤ النسب، المؤيدون لتكافؤ النسب دليلهم ما رواه مسلم من حديث واثلة بن الأسقع أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». كذلك ما رواه الحاكم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض، إلا حائك أو حجام»، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام: وفي إسناده راو لم يسم، وأما القول الآخر فذهب إلى أنه لا اعتبار بالنسب، وإلى هذا وصل الإمام مالك، رحمه الله، -سواء كان الحق مالكيا أو حنبليا فلنتذكر أن الحق نسبي-، فكل هذا يدحض بالآية الكريمة «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، والتقوى ها هنا لا تكون بلحية وثوب قصير، بل بالتقوى الفعلية والسلوك القويم والقلب النظيف، ومع أنه لا بد من التنبه أنه لا وجود لقلب نظيف مئة بالمئة، لذا يبقى القانون هو الضابط للسلوك المشوش المرتبك.