كل من قرأ وتدبر القرآن الكريم، ودرس سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- وصحابته الكرام، وتأمل التاريخ وحوادث الزمان، وسيرة الإنسان، ازداد بصيرة واعتبارا ومعرفة بالمقدمات والنتائج والعواقب المترتبة عليها، قال تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)، وقال تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)، والعاقل يأخذ العبر، فإن سنن الله ثابتة، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من كان عبرة لغيره.

وحوادث التاريخ، وإن كانت في زمن غير زماننا، ولأشخاص غير أشخاص زماننا، إلا أن فيها عبرة لمن كان له قلب، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا يلزم أن يكون المشبه كالمشبه به من كل وجه، فإنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، وقدر فارق، فمن نفى القدر المشترك لم يستفد من التاريخ والأحداث، ومن نفى القدر الفارق فقد أنكر البدهيات، وجمع بين المختلفات.

ومن حوادث التاريخ ومجرياته أن أعداء المسلمين يراقبون المجتمع المسلم، فإذا رأوا أن أي فرد منه يشعر بالضيق من تعامل مجتمعه معه، مهما كان السبب، فإنهم يعرضون عليه اللحاق بهم، لا محبة فيه، وإنما ليكون أداة لهم، وثغرة في جدار المجتمع المسلم تدخل منه معاولهم.

ففي صحيح البخاري في قصة الثلاثة الذين خلفوا، صدر التوجيه الكريم من رسول الله -عليه الصلاة والسلام- بمقاطعة ثلاثة من الصحابة، رضي الله عنهم، وعدم الكلام معهم، وهم (كعب وهلال ومرارة)، قال أحدهم وهو كعب بن مالك: فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، وكنا على الحال التي ذكرها الله: ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وضاقت علينا أنفسنا، هنا وفي هذا الظرف والتوقيت، حاول أعداء الإسلام والمسلمين استغلال الحدث لصالحهم، يقول كعب بن مالك:

فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك! قال كعب: فقلت حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء! فتيممت بها التنور فسجرتها بها.

هذا العرض من الملك النصراني، والذي وصل لكعب بن مالك عن طريق أحد أفراد الاستطلاع النصراني، لا يستغرب من أعداء الإسلام، وما زال ورثتهم يستخدمون نفس الأسلوب، ولكن ما أعظم موقف كعب بن مالك -رضي الله عنه- فهو مع كونه آنذاك رجلا مجفوا لا يكلم، مهجورا حتى من أقرب الناس إليه، إلا أنه مع ذلك رأى أن مجرد العرض عليه للانتقال لبلد الكفر ومجتمع الكفر، وترك بلد الإسلام ومجتمعه، بلاء ومصيبة، مهما وعد بالحرية والمواساة والرفاهية، ولهذا مباشرة ذهب إلى التنور فأحرق الخطاب، لم يقل: كيف أعامل بهذه المعاملة من مجتمعي؟ وكيف يؤمر الناس بمقاطعتي؟ وعدم الكلام معي، مع أني شهدت العقبة، ولم أتخلف عن جميع غزوات النبي -عليه الصلاة والسلام- عدا تبوك وبدر؟ لم يقل ذلك، فضلا أن يصطف مع أصحاب العروض القادمة من خارج الحدود، أو أن يبتز قومه بذلك.

وإنما صبر، وصابر، مدة طويلة، ولم يلتفت إلى غير مجتمعه المسلم، مهما كانت الصعوبات التي مرت عليه في الداخل، ومهما كانت العروض المغرية التي عرضت عليه من الخارج، فكانت نتيجة صبره، وولائه الصادق، قول النبي، عليه الصلاة والسلام له: (أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك)، فقد تاب الله عليه وعلى صاحبيه، وأنزل فيهم قرآنا يتلى، كما قال تعالى: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا... الآية).

فالمواقف يعرف بها الرجال، ويتميز بها النفيس من الخسيس، وقد قالت العرب قديما:

بلادي وإن جارت علي عزيزة

 وأهلي وإن ضنوا علي كرام

بل وحتى غير المسلمين من العجم وغيرهم لا يحترمون من اصطف معهم ضد وطنه، وإن أكرموه بالمال والمأوى، ومن أمثلة ذلك، أنه تقدم إلى «نابليون» في إحدى المعارك ضابط مناوئ لبلده، وأعطاه معلومات أعانته على كسب المعركة التي كان يخوضها ضد بلد هذا الضابط، ولما جاء يتقاضاه الثمن، رمى له بصرة من الذهب على الأرض، فقال الضابط: ولكني أريد أن أحظى بمصافحة يد الإمبراطور. فأجابه نابليون «هذا الذهب لأمثالك، أما يدي فلا تصافح رجلا يخون بلاده».

والمتعين على كل من لم تنقطع النسبة بينه وبين الحياء، أن يحذر خيانة وطنه ومجتمعه وقادته، وألا يكون مع الخصوم ضد بلده، لا تصريحا ولا تلميحا، مهما سولت له نفسه من أوهام وتعليلات يحاول أن يقنع بها نفسه، والتي هي من تلبيس إبليس، فلا قيمة لأحد بدون وطنه وقيادته، لا سيما إذا كان الوطن هو: المملكة العربية السعودية، مهبط الوحي، ومنبع الإسلام، ومأرز الإيمان، وقادته هم أنصار التوحيد الخالص لله رب العالمين، وإنما الواجب على الإنسان أن يبذل عمره لعز وطنه وقادته ومجتمعه، والدفاع عنهم، كما هو الأصل والواقع في كل فرد في أبناء هذا الوطن العزيز، وأما الشاذ فنادر، و لا حكم له، وإن كنا ندعوا لمن شذَّ بالهداية، والعودة إلى لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، كما هي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.