تُعرّف الأمم المتحدة «التنمية البشرية» بأنها توسيع خيارات الإنسان، وأن تنمية الإنسان هي الهدف والوسيلة والغاية، ولذا فإن التنمية البشرية تكون ببناء الإمكانات البشرية للإنسان، بما يمكّنه من تحسين حياته، وهو كذلك الوسيلة بمشاركته الفاعلة في كل مكونات حياته. فالتنمية البشرية تعني أن يمتلك الإنسان القدرة على التأثير والمشاركة في كل ما يكوّن حياته، ولذا فإن النمو الاقتصادي، وإن كان مطلبا مستهدفا وجوده، فهو لتحقيق التنمية البشرية، ولكنه ليس غاية في حد ذاته، وإنما أداة يتم تسخيرها لتحقيق تطلعات الإنسان وغاياته.
ولأهمية الإنسان كمحور أساس للتنمية في جميع مجتمعات العالم ودولها، فقد تبنى تقرير التنمية البشرية الصادر منذ بداية التسعينات في القرن السابق «1990» النهج الإنمائي الذي يجعل الإنسان محوره، والذي اقتضى تحويل الخطاب التنموي من الثراء المادي إلى الرفاه البشري، ومن زيادة المداخيل الاقتصادية إلى توسيع الإمكانات المتاحة للإنسان، ومن تحقيق النمو المادي إلى توسيع الحريات، وذلك بالتركيز على نهج قوامه: إنماء ثروة الحياة والإنسان ورفاهه، وليس ثروة الاقتصاد ونموه المادي، رغم أنه يعدّ الأداة لتحقيق الغاية المستهدفة، وهي تنمية الإنسان.
ومن هذا المنطلق، فإن دليل التنمية البشرية المركب يدمج الأبعاد الأساسية الثلاثة للتنمية البشرية، والتي تتلخص في: الصحة، والتعليم، والدخل، وذلك كمعايير أساسية في تقييم مدى الإنجاز المحقق في تنمية الإنسان، والتي تنضوي تحتها كثير من المؤشرات التي يمكن خلالها تحديد وقياس واقع التنمية البشرية إلى حد ما، في أي مجتمع تتوافر فيه سبل الرصد للبيانات والإحصاءات ذات الصلة بتلك المعايير، وعليه فإن تحقيق أي إنجاز أو تقدم في دليل التنمية البشرية الفعلية للإنسان، كمورد بشري وكائن فاعل في مجتمعه، مرهون بالإنجاز في تلك الأبعاد الثلاثة الرئيسة، وإلا فإن التنمية البشرية الحقيقية غائبة ولا تلامس الواقع الفعلي لها، وإن تلك الإحصاءات والبيانات المسجلة ما هي إلا حبر على ورق، ولا يُعتدّ بمصداقيتها إذا لم تعكس واقعا تنمويا بشريا يترجم تلك البيانات إلى حاضر نعيشه، وتنمية شاملة نشهدها، باعتبار أن الإنسان وسيلة التنمية وغايتها.
أما المعيار الأساس الأول، والمتعلق بالصحة، فهو يعكس في مضمونه الشامل، متوسط العمر عند الولادة «العمر المتوقع»، والقدرة على العيش حياة مديدة وصحية، والذي يضم تحته كثيرا من المؤشرات المتعلقة بالرعاية الصحية والخدمات المتاحة والتأمين الصحي من الأمراض المعدية وغيرها، والذي يعكس بدوره مدى الإنجاز الذي حققه المجتمع في ذلك الاتجاه، وبما ينعكس تلقائيا على أفراده إيجابا أو سلبا.
أما معيار التعليم، فهو مرتبط بمتوسط سنوات الدراسة، والعدد المتوقع لسنوات الدراسة لأفراد المجتمع، ومدى قدرتهم على تحصيل المعرفة، والتمكن من آلياتها وأدواتها المختلفة الخاضعة للقياس، وذلك يرتبط بدوره بمدى توافر التعليم المجاني للجميع في مراحله الأساسية، وما نوعيته وما مدى جودته في تمكين الإنسان من المعرفة ومتطلباتها، وما حققه من نجاح في تأهيل الإنسان، واستثمار قدراته وإمكاناته في بلورة ما حصله من معرفة وعلم، إلى منجز تنموي ومنتج مادي يسهم به في نمو اقتصادي واجتماعي شامل، ليجسد فاعلية التعليم ومردوده الإيجابي على الفرد والمجتمع.
أما الدخل، والذي يمثل المعيار الثالث الذي يستند إليه في تقييم دليل التنمية البشرية لدول العالم، فهو يعكس نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي للدولة، وبما يفسر مدى قدرة الفرد على تحقيق مستوى معيشي لائق.
وبالطبع، فإن ذلك المؤشر يعطي رقما قياسيا وليس فعليا، والسبب أن الدخل القومي لأي دولة لا يوزّع بالتساوي على مواطنيها، فقد تحتكر القلة الدخل الأكبر، ويعيش الغالب منهم على النزر البسيط المتبقي، في حين تعيش فئات لا بأس بها على الفتات، وذلك مرتبط بمدى تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الموارد، هذا إضافة إلى حجم الفرص المتاحة، ومدى الخيارات المتوافرة للأفراد لتحسين ظروفهم المعيشية، ورفع مستوى دخلهم، ويتضمن ذلك جميع الخيارات المتاحة التي تمكّن الإنسان من تحقيق ما ينشده، والتي تتضمن في جوهرها -كما يشير تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية 2016- حرية الرفاه التي تتحقق بالوظائف والإمكانات، وحرية التصرف التي تتحقق بالصوت والاستقلالية. أما الوظائف المقصودة، فهي ما ينشده الإنسان ويسعى إليه من وظيفة لائقة تجعله يكون سعيدا، وفي حالة اكتفاء غذائي، ويتمتع بصحة جيدة واحترام للذات، ويتمكن من الإسهام والمشاركة في حياة المجتمع وتحقيق متطلباته.
وقد ركّز تقرير التنمية ذاته على أهمية تحقيق التنمية البشرية للجميع في الحاضر والمستقبل، وذلك تحقيقا لخطة التنمية المستدامة لعام 2030، والتي أقرتها جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وبما تضمنته من أهداف في عام 2015.
ومما تجدر الإشارة إليه، أن المملكة العربية السعودية -وبفضل من الله ثم بجهود حثيثة من قيادتنا الطموحة- تمكنت ولسنوات مضت من تحقيق منجزات تنموية أهّلتها لأن تكون ضمن دول العالم التي تتمتع بتنمية بشرية مرتفعة جدا، وذلك بناء على ما تضمنه تقرير التنمية البشرية الدولية لعام 2016.
فقد احتلت المرتبة الـ38 بين دول العالم «193»، وبمتوسط العمر المتوقع عند الولادة «74,4» عاما، في حين مثّلت هونج كونج أعلى متوسط عمر متوقع في العالم وهو «84,2» عاما.
أما العدد المتوقع لسنوات الدراسة فقد بلغ «16.1» سنة، في حين سجلت أستراليا العدد الأعلى «20.4» عاما. أما متوسط سنوات الدراسة فقد سجلت المملكة «9.6» سنوات بينما سجلت سويسرا المتوسط الأعلى «13.4» سنة على مستوى العالم.
أما نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي، فقد سجلت المملكة «51320» دولارا.
وعلى الرغم من أن ما تم تحقيقه من منجزات تنموية وطنية في مجال التنمية البشرية، جدير بالتقدير والاعتزاز بكل ما تتضمنه المعايير الأساسية من مؤشرات، وما تم تحصيله من مستوى متقدم وترتيب مميز على مستوى العالم، وذلك قياسا إلى عمر التنمية في بلادنا ومراحلها الزمنية التي تطلبت كثيرا من النفقات والجهود والخطط والسياسات التي تبلورها إلى منجزات ملموسة وتنمية شاملة، فإن تطلعاتنا الطموحة وأهدافنا الوطنية العالية نحو تحقيق تنمية بشرية مستدامة، تدفعنا إلى الدعوة لمزيد من الاهتمام، والارتقاء بمضمون المعايير الرئيسة للتنمية البشرية، سواء ما يتعلق منها بالصحة وخدماتها، بما يحقق الرعاية الصحية الشاملة للمواطنين، بالتأمين المجاني في العلاج والمتابعة، أو تحسين جودة التعليم ونوعيته وإتاحته بالمجان في جميع مستوياته العلمية ومؤسساته المختلفة. فنحن ما زلنا في مرحلة بناء الوطن وتأسيس بنيته التحتية، وبما يتطلب التعاون وإتاحة الفرصة للجميع للمشاركة في وضع لبناته ورسم مستقبله، والذي سينعكس بدوره على فرص متاحة ووظائف لائقة، وإمكانات ميسرة لجميع المواطنين، تسهم في تحقيق الرفاه المنشود والتنمية الشاملة.