حكومة المملكة العربية السعودية شابة مستنيرة، بدأت خطوات إصلاحية جادة، ومع هذه الخطوات فإنه من المفهوم أن يستتبع ذلك تغيرات اجتماعية، تحتّم سن قوانين مختلفة لضبط المشهد العام.
ومع الفضاء السيبراني الحر ووسائل التواصل الاجتماعي تحديدا، فإن قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية لم يعد كافيا، لأن تطبيق هذا القانون من ناحية أخرى يحتاج آليات تختلف عن الآليات التقليدية، ولأن وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت فضاء واسعا جدا للحوار والتبادل الإخباري على اختلاف توجهاته، وهذا الفضاء الحر الحواري تقاربت فيه المفاهيم، وسقطت حدود كثيرة نتيجة تداخل مفاهيم كثيرة في بعضها أيضا، وهنا نحتاج إلى التقنين حتى يعرف الناس ما لهم وما عليهم، نحتاج إلى تشريع إيجابي من المشرع السعودي لنعرف التشهير ومفهوم حرية الرأي بشكل واضح.
فمثلا، مفردة التشهير التي وردت في المادة الثالثة -الفقرة الخامسة- نصا من قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية «التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة»، هذه المفردة لم يرد لها تعريف في القانون، وهذا قصور في الصياغة قد يسبب مشكلات كثيرة من ناحية التكييف القانوني الذي قد يتبناه المدعي العام بالنيابة العامة.
فالناس لا يعرفون متى يكون الأمر تشهيرا ومتى لا يكون، ولا يعلمون كذلك معنى مفهوم حرية الرأي، ومتى يكون الأمر رأيا ومتى لا يكون كذلك إلا في حدود ضيقة جدا، وهنا تكمن غاية التقنين، وحتى القانوني فإنه لا يعرف أحيانا ما دام أن مفهوم التشهير ومفهوم حرية الرأي مختلطان، ولم يوضع لهما تعريف محدد.
نحن مقبلون على انفتاح في كثير من المجالات الحياتية، وحتى مع مقدم سياح من ديار وثقافات مختلفة، فإن هذا الاندماج والتعرف على ثقافات الآخرين يحتّم علينا وضع قوانين تحمينا وتحمي الآخرين، سواء كانوا زائرين أو مقيمين، لتعطي كل ذي حق حقه.
التشهير في الثقافة القانونية السعودية يرد كعقوبة تابعة لعقوبة أصلية أو عقوبة أصلية في حد ذاتها، والحقيقة أنه دون وجود قانون مستقل يشرح التشهير وحرية الرأي ويفصل في سقف كلًّ منهما حماية للمصلحة للعامة، فإن الجهات الحكومية إما أن تتعسف في استعمال سلطتها، وبهذا يقع الظلم على الناس، أو تتساهل ويتجاوز الناس الخطاب النقدي المحترم إلى خطاب قبيح يلحق الضرر بالآخرين، وليأت من ينشئ هشتاقا أو فيديو معادا أو خادشا لا يكلف شيئا، بدعوى حرية التعبير، جهلا منه بماهية مفهومي حرية الرأي والتشهير!.
لعلنا ننظر إلى تجربة الولايات المتحدة الأميركية في التشهير، وقد نتعلم منها أشياء مفيدة. فالتشهير في أميركا مثلا -وبشكل عام- لا يقع إلا في حال معلومات مغلوطة قيلت أو نشر عنك كتابيا وتضررت منها، وأما في حال ذُكِرت معلومات صحيحة فلا يعدّ ذلك تشهيرا، ويتخذ التشهير شكلا لفظيا ومكتوبا، ويتطلب رفع قضية تشهير عاملين:
الأول: معلومات مغلوطة وليست صحيحة.
الثاني: حدوث ضرر.
وبعض العبارات تكون تشهيرية تحتاج إثباتا من المدعي للأضرار، وبعضها تشهيرية بحيث لا يحتاج معها لإثبات الضرر -بحد ذاتها تشهيرية ضارة- لأن ضرر العبارات واضح، وهذه العبارات محددة، كأن يقول شخص عنك «إنك مصاب بمرض جنسي، أو مرض خطير كالأيدز، أو أنك مجرم جنسي، أو متورط في أنشطة إجرامية»، فهذا قد يدمر سمعتك تماما، لذلك إذا أردت رفع قضية تشهير في أميركا، فعليك إثبات عدم صحة المعلومات المنشورة أو اللفظية، وكذلك إثبات الضرر الحاصل منها، وأن الطرف الآخر لم يتأكد من صحة هذه المعلومة.
ويتوسع المشرع الأميركي في الأضرار الناتجة عن التشهير بتقسيمات مختلفة، فمثلا الأضرار العامة العاطفية أو المؤثرة على السمعة، يحدد فيها القاضي بسلطته التقديرية قيمة التعويض. أما الأضرار الخاصة التي وقعت بسبب التشهير -مثلا خسرت عملك أو فوّت فرصة تجارية أنت أهل لها، أو الأضرار الصورية- يتم تعويضك في حالة تم التشهير بك بعبارات تشهيرية موازية، لكن لا تحدث هناك أضرار تذكر سمعتك، وأخيرا أضرار اتعاظية تأديبية إذا تم إثبات التشهير بسوء نية وتسبب في ضرر كبير -وكما تعلمون فإن إثبات سوء النية صعب جدا.
على الصعيد التاريخي، في عام 1734، كانت هناك قضية شهيرة لـ«جون بيتر زنجر»، ومن هذه القضية خرجت سابقة قضائية شهيرة بأن قول الحقيقة لا يعدّ تشهيرا، وكم نحن في السعودية بحاجة إلى تفعيل نظام خاص بالسوابق القضائية، وقضاة قانون يقرون مبادئ قضائية في حال وجود فراغ تشريعي واضح، كما هو حال التشهير لدينا. عودا على التشهير في أميركا، ورغم حماية الدستور لحرية الرأي والصحافة في التعديل الأول، إلا أن مجريات مفهوم التشهير القانوني تغيّرت بعد قضية صحيفة «النيويورك تايمز» ضد سوليفان عام 1964، حينما أقر مبدأ قضائي ينص على إمكان إثبات المسؤولين الحكوميين التشهير ضدهم من الصحافة، إذا استطاع المسؤول إثبات أن الصحيفة نشرت ضده معلومات مغلوطة وغير صحيحة، أو أنها نشرتها بإهمال دونما تحقق مهني مطلوب من المصادر الصحفية في مثل هذه الحالات، لذلك فإن قول النقد العادل والرأي والحقيقة كذلك، لا يعد تشهيرا، بل كذلك لو كانت سمعتك سيئة في الأصل، فقول أي شيء نحوك لا يعد تشهيرا، ولن يغيّر التشهير حقيقة سوء سمعتك، فيغدو التشهير لا تأثير له على الإطلاق، ويسمى «مضاد للتشهير»، وهذا يعني أن عبء الإثبات على المدعي عال جدا، مقابل تساهل نحو المدعى عليه نظرا للتعديل الأول للدستور الأميركي.
لذا، أتمنى تقنين حرية الرأي والتشهير في السعودية، فهما فعلا من المسائل الشائكة، لمنع الاجتهادات الظالمة، سواء من الجهات الحكومية، أو من الناس الذين يظنون أن التطاول والتنمر في وسائل التواصل الاجتماعي، ما هما إلا تعبيرٌ عن الرأي والرأي الآخر.