في الرابع عشر من فبراير 2005 هز انفجار عنيف وسط مدينة بيروت، وراح ضحيته رئيس الوزراء اللبناني الشهيد رفيق الحريري، لم يكن هذا التفجير هو القرار الوحيد الذي اتخذه المجرم الذي خطط ونفذ العملية الإرهابية، بل كان المخطط أكبر بكثير، يبدأ بعملية الاغتيال ولا ينتهي قبل تحقيق الحلم الكبير لقادة إيران بالسيطرة على لبنان، هذا الحلم الذي راود مؤسس نظامهم الطائفي «الخميني» المستورد من فرنسا إلى طهران لتحقيق أهداف تخريبية، بدأت بتشتيت النضال العربي في مواجهة إسرائيل، وانتهت بزرع التنظيمات الإرهابية التابعة لإيران داخل بلادنا العربية من لبنان إلى اليمن، مروراً بالعراق وسورية وغيرها من الدول.
عملت إيران ومنذ تأسيس حزب الله على تمكينه من السيطرة على لبنان، ولكن بدون أي استعجال منها، وعندما شعرت أن مشروع رفيق الحريري ووجوده في لبنان، سيمنع هذا المشروع من التحقق على أرض الواقع، صدر القرار والأوامر للنظام السوري وحزب الله بتصفية الرجل وهذا ما حصل، إلا أن رد الفعل الشعبي والعالمي على عملية الاغتيال أصابت مشروع ومخطط إيران -حزب الله- بالفشل، وتم تجميد أي نشاط في هذه المرحلة حتى إيجاد من يغطي هذا المخطط ويكون كحصان طروادة يتم استخدامه ليغطي على عملية السيطرة على لبنان، وكان لهم ذلك بعد أن عاد ميشال عون إلى بيروت قادماً من فرنسا، فقد قام عون بالتوقيع على عقد زواج غير شرعي مع حزب الله وحلفائه، فحصل على وعد بدعمه للوصول إلى بعبدا رئيساً للجمهورية، ودعم أقربائه وتوزير بعضهم وتسليمهم إدارات في الدولة، وفي المقابل يقدم ميشال عون للحزب غطاء لسلاحه ولعملياته الإرهابية، وحروبه ضد إسرائيل أو أي من الدول العربية، والسيطرة على الجيش اللبناني ومخابراته وعلى أجهزة أمنية وعلى مطار رفيق الحريري الدولي - بيروت والجمارك والنقاط الحدودية، وتم ذلك بكل بساطة لأن عون أراد تحقيق حلمه بالوصول إلى بعبدا رئيساً للجمهورية حتى لو كانت هذه الجمهورية بلا سيادة أو قرار وتعمل في خدمة مشروع إيران، فهو يجد في إيران التي مدته بالمال والسلطة شريكاً لا يجب أن يتخلى عنه مهما حصل.
لقد انكشفت حقيقة هذه العلاقة غير الشرعية بين ميشال عون وحزب الله مؤخراً عندما انتقد الحزب تصريحات جبران باسيل عن إسرائيل ورؤيته للصراع معها، ولاحقاً تصريحاته لمجلة فرنسية تحدث فيها بصراحة عن أن حزب الله يغطي الفساد والفاسدين في الجمهورية اللبنانية، وسياساته تسببت في كثير من المشاكل لعمل الحكومة، ولا يخفى على أحد أن مئات المتظاهرين ضد الفيديو المسرب لجبران باسيل، والذي ينتقد فيه نبيه بري، ويصفه بـ(البلطجي)، كانوا من أنصار حزب الله، وخرجوا للتظاهر بأوامر مباشرة من قيادات الحزب الذي بدأ يضيق ذرعاً بجبران باسيل وسياساته المتهورة والباحثة عن مصالح شخصية فاقت ما يقوم به الحزب نفسه في لبنان، وتحولت إلى كارثة على العلاقة بين حزب الله وحركة أمل وسليمان فرنجية، وتسببت في تشتيت الجمهور، مما يعتبر إضعافاً للحالة «المقاومة» بحسب مصطلح حزب الله وهذا ما يكشفه أمام العدو، ولكن مع كل أفعال جبران باسيل فإن حزب الله يجد نفسه غير قادر على التصعيد كثيراً ضده، لأنه بدون الشريك المسيحي في لبنان لا يستطيع المواصلة في العمل على تثبيت دعائم مشروعه الهادف إلى السيطرة على لبنان وتحويله إلى جزء من ولاية الفقيه، فتصطدم بقراراته العسكرية والمالية والاجتماعية وحتى الدينية تمهيداً لقدوم «صاحب الزمان».
إذًا، الانتخابات النيابية قادمة، وإن حصلت في موعدها فإن نتائجها ستأتي بما لا تشتهي سفن إيران وميليشياتها وحلفائها في لبنان، وذلك بسبب التفكك الذي يحصل داخل البيئة الحاضنة لهذه الأحزاب والتيارات، والتي بدأت تتململ من سياسات حزب الله وانفراده بالسلطة وتقديمها لحلفاء معينين وتجاهل آخرين، مما يضع فريق 8 آذار في مواجهة حقيقية مع الشارع الذي ينتمون إليه، وسنشهد في الانتخابات النيابية «إن حصلت» مظاهر تشبه ما حصل أثناء الانتخابات البلدية في لبنان وقيام مناصرين لحزب الله وأمل والعونيين برفض التصويت للشخصيات التي رشحتها أحزابهم، وخصوصاً في البقاع والجنوب، فهل بدأ الزواج أو العلاقة غير الشرعية بين حلفاء الأمس يتفكك اليوم وهو على حافة الهاوية يصارع ويلتقط أنفاسه الأخيرة، فتدب الروح في حصان طروادة ويعود إلى رشده وينسحب من التحالف الأعمى مع حزب الشيطان ومن خلفه إيران، ويعتذر للعرب واللبنانيين عن سنوات من الخيانة العظمى لساحة الشهداء وشعار «الحرية والسيادة والاستقلال»؟
في الختام أتوجه إلى ميشال عون برسالة صغيرة أسأله فيها، يا فخامة الرئيس، هل يمكن لعاقل أن يتخلى عن 15 سنة حرمه النظام السوري فيها من العيش في وطنه وممارسة دوره العسكري والسياسي، مقابل سنوات قليلة من الرئاسة وبعض المال وقطع الأرض في سورية ولبنان وتمويل محطة تلفزيونية؟
هل يمكن لعاقل أن يقبل بسلاح الميليشيات التي اجتاحتنا في السابع من مايو 2008، واجتاحت ميرنا الشالوحي والحدت قبل أيام في بيروت رداً على فيديو مسرب لزوج ابنتك يهين فيه رئيس مجلس النواب؟
هذه الميليشيات نفسها التي اجتاحتنا نحن المسلمين السنة في بيروت، ووقفت تصفق لها أنت دون أي استنكار أو رفض من قبلكم، لم تعتبروا يومها أنها تهدد السلم الأهلي، بينما عندما وصلت إلى مكاتب تيارك وهددت أمن وحياة أنصارك أصبح العمل على لفلفتها مطلباً وطنياً.