الحاج محمد مدبولي صاحب المكتبة القاهرية المشهورة توفاه الله قبل أعوام بعد صراع مع المرض، وذلك بعد أن عاش رحمه الله حياة مليئة بالتحديات والمجابهات الثقافية والرقابية مع السلطات الدينية والسياسية المصرية، وهي تحديات كان لها الأثر الأكبر في شهرة مكتبته واعتبارها أحد المعالم الثقافية الشهيرة لهذه المدينة، التي أنجبت لنا أعظم أدباء العصر الحديث وأشهر مفكري وسياسيي العرب في مراحل الحرب والسلام.
كنت قد زرت المكتبة لأول مرة قبل نحو 26 سنة عندما قررت في صباح إحدى أيام صيف 1992 أن أزورها، بعد أن كنت قد سمعت ممن يكبرني عنها الكثير، وعن مالكها الرجل البسيط الذي كانت له ولا زالت في حينه صولات وجولات من التحدي من أجل حرية الثقافة والإبداع، وبالفعل أخذت «تاكسي» وطلبت منه أن يأخذني إلى المكتبة الكائنة في ميدان طلعت حرب، وقد كنت أثناء الطريق أعتقد أنني سأجد مكتبة على غرار مكتبات الرياض الفخمة بكل ما تحويه من مغريات تسويقية، باعتبار المكتبات التي اعتدنا عليها أكثر من مجرد مكتبة، وحينما توقف التاكسي وإذ بالسائق يشير إلى موقع المكتبة الذي لم يتجاوز من الخارج واجهة دكان بسيط، زينت واجهته أكوام من القصص المترجمة وكتب الدين والسياسية والمراجع الفلسفية.
تجولت كباقي المرتادين أبحث عن كتب كنت قد فقدت الأمل في الحصول عليها بمكتبات المملكة، وخصوصا أعمالا أدبية وفلسفية مثل الأعمال الكاملة لجبران خليل جبران، وبعض مؤلفات عبدالرحمن بدوي، وكتاب مرداد لميخائيل نعيمة، ونسخ مترجمة للعربية لمراجع دينية مسيحية ويهودية.
كان يجلس خلف طاولة خشبية رجل مسن عرفت من المحيطين أنه الحاج مدبولي فاتجهت نحوه للسلام وللسؤال عما إذا كان بإمكانه أن يساعدني في إيجاد كتاب معين لعبدالرحمن بدوي، فنظر إلي وقال هل تريد النسخة الشعبية أم الطبعة الفخمة، في حينه لم أكن أعلم الفرق بين النسختين، خصوصا وأننا في المملكة لم نكن قد اعتدنا على أن تكون الثقافة مصممة وفق الدخل والإمكانيات المادية، فأجبته لا فرق فأخذني لأحد زوايا المكتبة وناولني نسخة من الكتاب، وقال لي بصوت هادئ (هذه نسخة شعبية)، فشكرته وأردفت، هل لك أن تدلني على كتاب مرداد بنسخته الشعبية أيضا؟، فنظر إلي وكأنه يريد أن يتأكد إذا ما كنت أستحق الاطلاع على ما كان ينوي إطلاعي عليه، وقال: سأعطيك فرصة الاطلاع على (قلب المكتبة)، والتفت لأحد معاونيه ووجهه بأن يأخذني لمكان ما، حيث اتجهت مع ذلك المعاون لمدخل المبنى الرئيسي الذي يضم المكتبة، لندخل بعد ذلك في ما كان يبدو لي شقة في الدور الأرضي، واتضح بعد ذلك أنه مستودع كبير يضم ربما مئات الآلاف من الكتب المرتبة وفق تصنيف ديوي العشري على أرفف حديدية ترتفع عاليا للسقف، ليتركني المعاون في هذه المكتبة العملاقة بعد أن قام بإضاءة الأنوار وتشغيل مكيفات التبريد، فقضيت بهذا المكان الفسيح قرابة الساعتين خرجت منه محملا بكتب منوعة، لا زالت تروي العقل وتبهج المكان من حولي وتضيئه بنور العلم والثقافة والمعرفة.
خرجت من ذلك المكان إنسانا أصبح يرى في الثقافة ما هو أبعد من مجرد شهادة أو لقب علمي أو كلمات منمقة يستعرض بها المثقف هنا وهناك، إلى إنسان يرى في الثقافة أنها جزء من حياة العامة وعنصر أساسي للحياة الكريمة والسعيدة والمنتجة، فمدبولي الحاج مات وترك لنا مكانا ربما يعيش لمئات السنين، كما عاش من قبل لعشرات السنين معلما ثقافيا ومركزا فكريا للعامة على اختلاف أصولهم وقناعاتهم وأعمارهم، وهو عمل سيخلد اسم هذا الرجل الذي بدأ بائعا للصحف والكتب على العربات المتنقلة في شوارع القاهرة، هذه المدينة التي تطبع الإعجاب على قلب كل من يزورها، ويترك أهلها أثرا يصعب على الإنسان نسيانه.