ابدأ بمقولة (القابلية لفعل الخطأ هي من طبائع البشر، وقد يكون من الصعوبة تغيير طبائع البشر، ولكن يمكن تغيير الظروف التي يعمل تحتها البشر). في أميركا يتم سنويا إجراء أكثر من خمسة ملايين عملية، يتعرض فيها ما يقارب تسعين ألف مريض لأخطاء طبية قاتلة، ويتعرض ضعف هذا العدد لعاهات طبية. وعلى الرغم من أن عدد الوفيات لا يزيد عن حالة وفاة في كل مئة ألف شخص في حالات حوادث الطيران والسكك الحديدية والمصانع الكيميائية والأمراض البيولوجية، فإن هذا العدد يرتفع في حالات الرعاية الصحية!!

وعندما نراجع الأخطاء الطبية في دولة مثل أميركا نجد أن 50% من الأخطاء هو بسبب الجراحات ثم الأدوية

ثم أخطاء التشخيص وخطة العلاج، بينما في السعودية تظل أمراض النساء والولادة هي الأكثر بنسبة 37%. متبوعة بالجراحات، ونفتقر إلى وجود معلومات موثقة عن أثر الأدوية، وإلى دراسة عملية لمتابعة أداء الأطباء من حيث عملية التشخيص وبناء خطة العلاج. والغريب في دولة مثل أستراليا أن الأخطاء في التشخيص وخطة العلاج تفوق أخطاء الجراحات التي تحتاج لمهارة فائقة بنسبة كبيرة!

وهناك اتفاق على أن المرضى الأكثر عرضة للأخطاء الطبية هم المرضى الذين يخضعون لجراحات القلب والأوعية الدموية والجراحة العامة والقيصريات، كذلك فإن المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة كالضغط والسكر وحالات طبية حرجة كحالات السرطان هم أكثر عرضة للأخطاء الطبية. كذلك لا خلاف في أن الحالات الطارئة والحالات التي يتم متابعتها من قبل أطباء أقل خبرة هي أكثر عرضة للخطأ الطبي. ولنجيب على سؤال لماذا تحدث الأخطاء الطبية؟ فعلينا أن نتذكر أن الطبيعة التي تؤكد وجود الخطأ في ظل وجود العامل البشري، كذلك فإن علم الطب معقد ومبهم، وليس واضحا وبسيطا كما يعتقد الغالبية، أيضا فإن معظم الأخطاء هي بسبب خلل الأنظمة ونقص التدريب والعمل لساعات طويلة تحت الجهد والإرهاق، وضعف عملية المراجعة والتدقيق على الإجراءات التي تم اتخاذها للمريض. وقليل جدا من الأخطاء هو بسبب الإهمال واللامبالاة.

الرعاية الصحية العالمية لم تحاول أن تجعل نفسها آمنة، وهنا نتكلم عن نظام صحي فاعل، وعليه يجب أن يكون الاعتقاد أن الخلل في النظام وليس الأفراد، وإصلاح النظام هو حجر الزاوية في تقليص الأخطاء الطبية وتخفيف تبعاتها، لذلك يتطلب تخفيضا في التعقيدات والإجراءات الطويلة، والعمل بحكمة ورؤية بعيدة عن العواطف والانفعالات، ووضع ضوابط وقيود لمنع حدوث الخطأ أصلا، وكذلك الاهتمام بالتدريب والتحسين المستمر.

إن بناء نظام صحي آمن يتطلب مراجعة المبادئ والأسس وتصحيح السياسات والإجراءات الحالية، وتفعيل الممارسة الآمنة المبنية على مبدأ الطب المبني على البراهين، ومشاركة المريض في اتخاذ القرار. فالعلاج الفعال يتمثل في تجويد السلامة والبحث عن مكامن الأخطاء الطبية وإزالة العوامل المسببة للخطأ ومنع وقوعه. كذلك فإن تجريم وتوبيخ المخطئ فقط لن يحلا المشكلة ولن يمنعا تكرارها، والدليل أن الأخطاء تتكرر وتزداد.