تقوم الاقتصاديات العظمى على دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، حيث تشير التقارير إلى أن 70 % من اقتصاديات الدول المتقدمة تقوم على هذه المنشآت، وتبذل الحكومات العالمية جهوداً كبيرة لتحفيز المستثمرين بضخ الأموال في هذه المنشآت لتوفير فرص العمل ودعم العمالة المحلية. ومن الأمثلة على تلك التسهيلات
ما تقدمه الحكومة الأميركية للاستثمارات الصغيرة بالحصول على الفيزا (E-2) لمدة سنتين عند استثمار مبلغ صغير مثل 100 ألف دولار أميركي للأشخاص الراغبين بالاستثمار، عن طريق فتح مشروع صغير كإنشاء
أو شراء مطعم أو بقالة صغيرة، تُعطى هذه الفيزا لمدة سنتين وتجدد بشكل دوري كل سنتين، وهناك نوع آخر من الفيز EB-5 وهو مؤهل للحصول على الجنسية بعد خمس سنوات من الحصول عليها والإقامة داخل أميركا، بشرط استثمار مبلغ نصف مليون دولار على الأقل في مناطق التوظيف المستهدفة، ونتيجة للعديد من البرامج والتسهيلات الحكومية، وعند النظر مثلا للولايات المتحدة الأميركية نجد أن 30% من صادرات أميركا تأتي من المنشآت «الصغيرة والمتوسطة»، وتصل قيمتها إلى 435 مليار دولار سنويا، وحسب قراءتي البسيطة وجدت أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة لها مساهمتان تتميز بهما عالمياً، هي المساهمة في إثراء الناتج المحلي وتوليد الوظائف ناهيك عن الابتكارات، ومما يثير الدهشة أن نسبة مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي للسعودية تبلغ 22 %، فيما المعدل في أكبر 15 اقتصادات في العالم بحدود 46 %، حسب ما هو صادر عن الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، أضف إلى ذلك أن السعودية تأتي في الترتيب الـ14 بنسبة مساهمة 53 % في توليد الوظائف في البلاد (أكثر من نصف الوظائف بالقطاع الخاص)، فيما المعدل العالمي بالاقتصادات الكبيرة هو 67 %. كل هذه الأرقام تشير يقيناً إلى أن تلك المنشآت المظلومة هي المحرك الأساسي لاقتصادات العالم، وهي وقود الاقتصاد الحقيقي لدينا، بديهياً يجب أن يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: كيف نرتقي بمثل هذه المنشآت لكي تقارع مثيلاتها في الاقتصاديات العالمية الكبرى؟ سعدت كثيراً حين علمت أن رؤية 2030 تقوم على أهداف إستراتيجية منها رفع مساهمة الشركات الصغيرة والمتوسطة من 22 % إلى 35 %، وأن يكون اقتصاد المملكة في المرتبة 15 عالمياً بحلول 2030، بمساهمة تصل إلى 2.2 تريليون دولار، أي أربعة أضعاف ما يساهم به القطاع حالياً الذي يقدر بنصف تريليون دولار.
لقد سمعنا وقرأنا عن مبادرات مختلفة لدعم قطاع الأعمال وبخاصة الصغيرة والمتوسطة، ومن أهمها الأمر الملكي الكريم بتحفيز القطاع الخاص، واعتماد 72 مليار ريال، لدعم المنشآت الصغيرة بمبادرة إعادة الرسوم الحكومية المدفوعة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة بمبلغ 7 مليارات ريال، ولا زلنا بانتظار تفعيل تلك المبادرة الرائعة.
نحتاج إلى المزيد من المبادرات للنهوض بهذا القطاع الحيوي، فلا تزال المنشآت تعاني الأمرين من البيروقراطية الحكومية وتدحرج الأوراق بين البلديات والغرف التجارية ووزارة التجارة، واشتراط العشرات من التصاريح وعدم التنسيق بين الجهات، ناهيك عن الرسوم المطلوبة من (الزكاة - ضريبة القيمة المضافة - البلدية - الأمانة - وزارة التجارة - وزارة العمل - التأمينات الاجتماعية - الغرفة التجارية - الكهرباء - الماء - الهاتف والجوال - تجديد إقامات ورسوم الموظفين الأجانب لديها - رسوم لقرارات جديدة سوف تستحدث كرسوم إزالة النفايات). لا زالت المنشآت تعاني من بعثرة المنشآت الحكومية ومن الحاجة إلى وجود معقب (الوظيفة التي اندثرت في أغلب بلدان العالم)، لقضاء الأوقات لمطاردة المعاملات بين الدوائر، ولا زالت المنشآت تبحث عن تمويل مناسب ودعم حكومي مناسب وبخاصة بالسنوات الأولى للخروج من مأزق البدايات المتعثرة. لا أعلم ماذا نستفيد من إعطاب المنشآت الناشئة بتلك الرسوم الكبيرة للعمالة والتجديد والرخص! لأن الخاسر الأكبر هو المواطن الذي يتم توظيفه بتلك المنشآت، فسقوط أي منشأة كانت صغيرة أو كبيرة هو سقوط لاستثمارات المواطن السعودي، وقد رأينا تسريح جزء كبير من المواطنين نتيجة الأزمة التي أصابت الشركات العقارية، ويجب علينا الأخذ بالاعتبار التجارب الملهمة التي سبقتنا بها بعض الدول، ولنأخذ اليابان مثلاً حيث أوجد القانون الياباني الخاص بالشركات الصغيرة والمتوسطة نظاماً خاصاً يعني بالتالي:
1 - تمويل هذه المنشآت وضمان القروض التي تحصل عليها
2 - برامج لإثراء التدريب والتطوير في النواحي الإدارية والفنية
3 - تسويق وترويج منتجات هذه المنشآت وتسهيل مبيعاتها
أرجو أن تكون هناك وقفة جادة من المسؤولين لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة بدلاً من الفواتير (المجمعة)، وأتمنى أن تكون هناك برامج تيسير وليس تكسير لتلك المنشآت.