بينما كنت أقرأ تقريرا نشرته منظمة المنتدى الاقتصادي العالمي «WEF» ذكرت فيه أن المملكة العربية السعودية تحتل المركز السابع كأكثر الدول التي يتمنى المهاجرون الانتقال إليها، لم يكن هذا الأمر في الحقيقة مفاجأة بالنسبة لي، فخلال السنوات الثلاث الأخيرة، تعرفت على الكثير من طلاب الدراسات العليا من مختلف الجنسيات في الجامعات الصينية بتنوع تخصصاتهم وبحوثهم الدراسية، في هندسة الطاقة الشمسية وهندسة الإلكترونيات والقطارات والتحكم الآلي والطب والفيزياء والأدب وغيرها من التخصصات النادرة والهامة، الكثير منهم مبتعث من جامعات دولته، وبعضهم من الكليات العسكرية والقطاع الخاص، ولا أبالغ إذا قلت إن الكثير منهم بمجرد أن يعرف جنسيتي يسألني عن الطريق للعمل والهجرة إلى السعودية، بل إن أحدهم طالب في السنة الأخيرة من مرحلة الدكتوراه في تخصص هندسة أمن المعلومات الرقمية طلب رقم هاتفي، ويتواصل معي بشكل دائم ويدعوني لبعض المناسبات في محاولة منه لتوطيد العلاقة، ومن ثم فاجأني بإرسال سيرته الذاتية الفاخرة بالخبرات والدورات والشهادات والتخصص، طالبا مني مساعدته في البحث عن عمل في إحدى الجامعات أو الشركات السعودية، وأحد رجال الأعمال السنغافوريين قابلته صدفة في أحد المقاهي وبعد التعارف قال لي: «سمعت أن لديكم الكثير من الجامعات الحديثة في السعودية، أتمنى لو يحصل ابني البرفيسور الذي يعمل في إحدى الجامعات الأسكتلندية على فرصة للعمل في الجامعات السعودية»، وعندما قلت له، ولكن أنتم من سنغافورة الدولة التي ذاع صيتها في كل العالم لسمعتها الاقتصادية والقضاء على الفساد والبطالة، قال: ولكن أنتم السعودية.

الصين أعلنت قبل فترة قصيرة عن منح إقامة دائمة للأجانب وفقا لشروط معينة، تناقل الخبر الكثير من الطلاب الأجانب في الصين محاولين تحقيق الشروط للبقاء في الصين بشكل دائم، نحن الطلاب السعوديين لم يغرنا ذلك الإعلان، والكل يتمنى العودة لخدمة الوطن.

دون أدنى مبالغة نجحت المملكة العربية السعودية بفضل الله ثم بفضل قيادتها وحكمتهم في إدارة الأزمات السياسية والاقتصادية في تجاوز الكثير من المخاطر التي مرت بها دول الشرق الأوسط والعالم العربي، واستطاعت أن تبني دولة قوية اقتصاديا، وتصنع عنوانا بارزا للاستقرار الاقتصادي والسياسي، ضمن مجموعة G20، راسخة بقيمها وأصالتها، وأحلامها تعانق السماء ومستقبلها المشرق الذي أراه في عيون أبنائي، يقود خارطته ملكنا أبو فهد ونجله القوي الأمين محمد بن سلمان.

أشعر بالفخر والامتنان أني ابن لهذا الوطن الذي لم يبخل يوما على شعبه بكرم العطاء من التعليم المجاني وبرامج الابتعاث السخية والعلاج المجاني والعمليات الجراحية باهظة الثمن التي تجريها لنا مستشفيات الحكومة دون أن نفكر ولو لوهلة في حجم تكاليفها، وليس بآخرها عندما تعرض أحد أطفالي قبل عام لأزمة صحية لازمته السرير الأبيض لثلاثة أسابيع في أحد مستشفيات الصين، لتقوم الملحقية الثقافية في السفارة السعودية في بكين بدفع كافة التكاليف التي وصلت إلى أكثر من 50 ألف دولار. بينما هناك الكثير من المرضى الصينيين الذين شاهدتهم عند مدخل المستشفى لا يجدون من يعالجهم لعدم امتلاكهم للأموال، وأنا الغريب بينهم في وطنهم أَجد حكومتي تقف معي فورا، وتكلف من يتابع معي الحالة المرضية، ويقدم الدعم والمساندة المادية والمعنوية، بل واتصل بي الملحق الثقافي الدكتور فهد الشريف شخصيا ليطمئن على حالة ابني، كما يفعلها مع جميع أبنائه الطلاب المبتعثين في الصين.

إعلان منظمة المنتدى الاقتصادي العالمي أن السعودية تأتي في المرتبة السابعة في ترتيب الدول التي يتمنى المهاجرون الانتقال إليها، يجعلنا نشعر بالكثير من المسؤولية تجاه وطننا، ونحافظ على كل مكتسباته التي جنيناها في العقود الماضية، ونطمح إلى جعلها مكانا أفضل مما هو عليه الآن، فنحن لم نصل إلى قمة طموحاتنا بعد، والقادم مازال أجمل بكثير مما مضى، والآتي سيكون بسواعدنا التي لن تكون أقل شأنا من سواعد أجدادنا الذين عملوا كل شيء لبناء السعودية التي نراها الآن رغم كل ما رافقها من هفوات التي لا نطمح فقط إلى محوها، بل للوصول إلى المستوى المرضي على كافة الأصعدة.