عندما تنطق كلمة شريعة عند أي شخص أجنبي أو عربي مسلم أو غير مسلم غالباً ما يتبادر إلى ذهنه القوانين والتشريعات الصارمة التي لا تقبل النقاش وغير القابلة إلا للتطبيق وبصرامة.
وبصورة أخرى أيدي السراق المقطوعة والرؤوس التي قصت والأجساد المرجومة، لكن في الحقيقة أنها ليست حقيقة هذه الشريعة التي يجب أن نفهمها عنها، أو على الأقل ليست الأولوية التي عليك أن تعرفها عن هذا الدين، والتي فهمها عمر ـ رضي الله عنه ـ وطبقها كأمير للمؤمنين بما يرى هو أنها ترضي الله ـ عز وجل ـ تماماً.
ودعني أقرب لك الصورة عبر مثال من تجربته ـ رضي الله عنه ـ والتي يذكرها موطأ مالك ـ رضي الله عنه ـ وهي باختصار أن بضعة أرقاء سرقوا جملاً لرجل من مزينة القبيلة المعروفة وذبحوه ثم طبخوه وأكلوه ليقبض عليهم جند عمر بالجرم المشهود، ويأتون بهم مقيدين إليه ليأمر بقطع أيديهم بعد إقرارهم، لكن في لحظة ما أعادهم إليه، وكأنما نظر الفاروق لحالهم فوجدهم ضعاف البنية، مما يدل على أنه تم تجويعهم، فالتفت إلى سيدهم ومالكهم وقال أراك تجوعهم، فصمت الرجل، وأيقن عمر بما شعر به في قلبه من منظر هؤلاء، فأمر بإخلاء سبيلهم، وعدم قطع أيديهم، ثم نظر إلى المالك، وقيل هو عبدالرحمن بن حاطب، وقال له بما معناه لو جوعتهم ثم سرقوا لأقطعن يدك أنت، ثم أمر بالمزني وعوضه قيمة جمله.
إن هذه التجربة التي ليست إنسانية فقط بل تشريعية أيضا نجد عمر فيها فكر أبعد من الحكم المباشر، وانتقل إلى العلة، وهي كما في قوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
للعلم فقط، لم يأت الإسلام بحكم قطع يد السارق، بل هو حكم قديم متعارف عليه عند العرب قبل الإسلام منذ أيام الجاهلية، لكن ما تغير أنه جاء في الآية معللا بكلمة (نكالا) من الله، ومن معانيها في المعجم: نَكَل عن العدوّ وعن اليمين يَنْكُل، بالضم، أَي جَبُنَ، ونَكَّله عن الشيء: صرفه عنه.
أي أن عقوبة قطع اليد حتى نخوف اللصوص من السرقة عندما يعلمون أن العقوبة ستكون قطع أيديهم، أي أنها وسيلة لتخويف كل من يخطط للسرقة، وفي هذا إشارة عظيمة من الإسلام المرن المتطور الصالح لكل زمان ومكان، وهو أن نبحث نحن عن كل ما يوقف السرقات كما فعل عمر رضي الله عنه عندما هدد مالك الأرقاء بقطع أيديهم لأنهم ما سرقوا إلا بعد أن تعاظم خوفهم من الجوع على خوفهم من قطع أيديهم، وهذا بعد نظر عمري يتعب العالم لو حاول تقليده أو استقصاءه.
اليوم لدينا عشرات الوسائل لمنع الناس من السرقة، لكن يبدو أننا في كل مكان في العالم الإسلامي كمسلمين نفكر بالوسيلة الوحيدة المذكورة في الآية، ونتغافل عن الوسائل التي وجد إحداها عمر رضي الله عنه، وهي كفيلة بإنهاء السرقة أكثر من قطع يد سارق غلبان إذا تعرض لنفس الموقف فسيسرق بيده الأخرى، لأن الجوع قاهر وقاتل، وسيدفعه إلى الإجرام، ولن يوقفه قطع يده أبدا.
أقول لعلنا نتذكر معنى كلمة شريعة في اللغة، وهي الماء العذب الذي يصنع واحة حوله ونخيلا وأشجارا، ويقصده البشر والحيوان للحياة وليس للموت.