الإنشاد الديني، أو (الحداء) له وعليه، ولم ينجُ هو الآخر، من الخلاف والاختلاف عليه وفيه؛ كعادة الناس في كل أمور حياتها.. نصوص كثيرة تساعد على شرعيته، وأنه يحرك القلوب النقية الصافية، ويثير شوقها، ويبعد عنها القلق الكامن فيها، ومن ذلك قول الإمام العز بن عبدالسلام: «أما سماع الإنشاد المحرك للأحوال السَّنِية المذكّر للأمور الأخروية، فلا بأس به، بل يُندب عند الفتور وسآمة القلب، ولا يُحظر إلا لمن في قلبه هوى خبيث، فإنه يحرك ما في القلب»، وقول العلامة السفاريني: «المذهب الإباحة من غير كراهية لما تضافرت به الأخبار، وتضافرت به الآثار، من إنشاد الأشعار، والحداء في الأسفار، وقد ذكر بعض العلماء الإجماع على إباحة الحداء».

اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة، وفي فتوى مشهورة لأعضائها ـ رحم الله من تقدم منهم، وحفظ من بقي ـ ذكرت «أن الأناشيد فيها من الحِكم والمواعظ والعِبر ما يثير الحماس والغيرة على الدين، ويهُز العواطف الإسلامية، وينفر من الشر ودواعيه، وأنها تبعث نفس من يُنشدها ومن يسمعها إلى طاعة الله تعالى، وتُنفِّر من معصيته سبحانه، وتَعدّي حدوده ـ وأضافت ـ لكن لا يتخذ من ذلك وِرْداً لنفسه يلتزمه، وعادة يستمر عليها، بل يكون ذلك في الفينة بعد الفينة، عند وجود مناسبات ودواعٍ تدعو إليه ـ وأكدت ـ أن ديدن الصحابة وشأنهم رضي الله عنهم العناية بالكتاب والسنة حفظا ودراسة وعملا، ومع ذلك كانت لهم أناشيد وحداء يترنمون بها..»، وبين سماحة الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ في فتاواه أن «الأناشيد تختلف؛ فإذا كانت سليمة ليس فيها إلا الدعوة إلى الخير والتذكير بالخير وطاعة الله ورسوله والدعوة إلى حماية الأوطان من كيد الأعداء والاستعداد للأعداء، ونحو ذلك، فليس فيها شيء..».

نقطة مهمة متعلقة بالإنشاد، وهي (المديح النبوي)؛ وهو أمر قد ظهر في حياته صلى الله عليه وسلم على يد بعض صحابته، كابن ثابت، وابن مالك، وابن زهير، وابن رواحة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وسار عليه من بعدهم؛ ومن يحتج بحديث «لا تُطْروني كما أطْرَت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله..»، عليه أن يفهم أن الإطراء هنا بمعنى (المدح بالباطل)، وليس (النهي عن المدح)؛ فخصائص الله، سبحانه وتعالى، والفرق بين مقام الخالق والمخلوق، أمور معلومة، حتى أنه لما مدحت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، قائلة: «وفينا نبي يعلم ما في غد»، قال لها: «لا تقولي هكذا..»، وأختم بالتأكيد على أن الإنشاد وسيلة إلى غاية نبيلة، وفيه من المعاني الروحية والإيمانية الشيء الكثير، ولكي يرقى بالناس إلى مستوى الطهر الإيماني، ويؤثر فيهم، يحتاج إلى أمور مهمة، ومنها (محاولة تفهم المشكل منه)؛ بحسن الظن في القائل، وتصفيته من الأكدار، وتنقيته من المحذور، وتجريده من الشوائب، التي تنأى به عن شرف غايته، وأن يكون منسجماً مع صفاء الدين وطهره وسموه، والسليم منه لا ينبغي الاعتراض عليه، وما حوى منه على منكر (مجمع عليه)، هو منكر حتما.