لطالما بقي العقل مهملا وغير ملائم للدخول في قطعيات الحياة البشرية عند أولئك المنتمين إلى مدرسة (تقديم النقل على العقل)، فهم من أوجدوا تهمة نسبية العقل أمام النصوص، على الرغم من أن الأخيرة هي الأكثر ضعفا وعرضة لمستويات عالية جدا من التزوير واحتمالية الخطأ، ولا تبدو نسبية العقل المئوية شيئا يذكر أمام كارثة وسطحية المنقولات النصية عبر التاريخ، التي تعتبر المنطق محل ريبة، ولا يعتمد عليها سوى ما تيقن منه بعد الإخضاع للتجربة لتتمكن من الحصول على مرتبة الاستدلال.

يقول المفكر الإسلامي محمد عمارة في إحدى مقالاته بصحيفة الشرق الأوسط تحت عنوان (نسبية العقل) بتاريخ 10/‏‏ 2/‏‏ 2001، («العقل» ملكة من ملكات الإنسان، تميز بينه وبين الحيوان.. وهو من أعظم نعم الله، سبحانه وتعالى، على الإنسان.. لكنه على عظمته وضرورته -ككل ملكات الإنسان- «نسبي» الإدراك.. ولذلك، فإن الاعتماد على العقل وحده -دون «الوحي»، الذي هو علم الله المطلق والكلي والمحيط- يقف بالإنسان عند «النسبي» و«الظني»، اللذين هما غاية الاجتهاد الإنساني، ويحرم الإنسان من «اليقين» الذي سبيله «القلب» والعلم الإلهي ونبأ السماء العظيم).

وهذا -من وجهة نظري- لا يستند على استدلال تجريبي يقرر تفوق النقل على العقل، الغرض منه تثبيت ضعف حجة العقل، وهي الصيغة المرتبكة والهزيلة لمجاميع العلماء الذين يضعفون العقل أمام كثير من المرويات التي ينزلونها منازل الوحي والاتصال مع السماء، على الرغم من أن الواقع يقول إن استخدام العقل تفوق على الإيمان بالنقل كيفما اتفق، فقد أنجز الاعتماد على تفعيل استخدام العقل ما لم تنجزه الحضارة الإنسانية على مر تاريخها، وخلال أقل من 3 قرون قطع الإنسان ما لم يقطعه خلال آلاف القرون من خلال استخدامه للعقل في تفسير الأحداث والظواهر والأشياء، فأيهما إذن أكثر صلاحا وحجة ومنطقية واعتبارا بعد ذلك.. العقل أم النقل؟

فالإدراك الذي يذكره عمارة على أنه مرتبط بالوحي فيه مغالطة صريحة، فلولا العقل ما استطاع الإنسان الإدراك بالنقلي أو الموحى، ولا قرر ماهية الأشياء وخواصها، فهل رأيتم منقولا قرر ماهية شيء ما بذاته دون اللجوء إلى العقل؟ كما يختلف الناقلون إلى حد التناقض في صيغة المنقول على الدوام، ولا يحدث اتفاق على رواية واحدة لفظيا، فكل ينقلها على قدر ثقافته وحجم قاموسه اللغوي والمعرفي، وهنا أحد أكبر وأخطر مآزق النقل والمنقولات والناقلين أيضا.

لقد اعتادت الثقافة الإسلامية مثل هذه الإنشائيات، واعتمدت عليها في أغلب بنيتها وأنساقها في التفكير، وجعلت من التراتبية حيلة لحجة إقناع الشارع المتلقي عبر استحضار قيمة الوحي الروحية والعاطفية، وإلباسها لباس القطعيات دون إقرانها بالإقناع العقلي، وهو أمر يستدعي التريث فيما يُقدم كمنقول، فالوحي مرتبة عالية جدا ليس من السهل استدعاؤها كشاهد على منقول ما لم يكن ذلك المنقول متوائما مع العقل المدرك وتركيبة الحياة الإنسانية وطبيعتها.

لذلك فقد تعثر العقل العربي بسبب الأسطورية الزائدة التي ضغطت عليه. ثم تعثر العقل الإسلامي على إثر ذلك الضغط.

وتعالوا نقدم صورتين عن مراتب العقل عند فيلسوفين من ثقافتين مختلفتين، يمثلهما (أرسطو وابن رشد)، إذ يرى الفيلسوف اليوناني أرسطو (تأثر به ابن سينا، والكندي، والفارابي)، معنى العقل بأنه جوهر قائم بنفسه، وعدده في:

- العقل الهيولاني، أو العقل بالقوة، وهو الاستعداد المحض لإدراك المعقولات، وهو قوة محضة خالية من الأفعال، وسمي بالهيولاني نسبة إلى الهيولَى الأولى الخالية من الصور كلها.

- العقل الفعَّال، وسمي بذلك لكثرة أفعاله في عالم العناصر.

- العقل بالفعل، أي النفس الناطقة.

- العقل المستفاد والعقل المطلق.

فيما يرى الفيلسوف العربي أبو الوليد ابن رشد، أن العقول تقع في ثلاثة أنواع:

- العقول البرهانية القادرة على متابعة دليل يقيني محكم، وتصل إلى نتائج بيِّنة ضرورية، وربط هذه الأدلة هو الذي يكوِّن الفلسفة، ولكن هذا لا يتسنَّى إلا لقلة من العقول الموهوبة، بالقدر الذي يجعلها تكرِّس نفسها لها.

- العقول المنطقية وهي تلك التي تكتفي بالبراهين الجدلية.

- العقول التي تستجيب للوعظ والأدلة الخطابية، وهذه غير مهيأة لاتباع الاستدلال المنظم، ونجدها عند الناس العاديين الذين لا يستجيبون إلا للخيال والعاطفة، و الأكثرية في المجتمعات العربية والإسلامية.

وفي التعريف الأخير لابن رشد نرى صورة واضحة المعالم للعقل العربي والإسلامي، وعلينا أن نعترف بأنها أكثر الصور المؤلمة في الواقع.