من التشبيه البعيد الذي استعمله صلى الله عليه وسلم في أقواله الشريفة؛ تصويره البشرية مجتمعة في زورق أو سفينة، بعضهم أعلاها، وبعضهم في أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا احتاجوا إلى الماء صعدوا إلى أعلاها، ولما تعبوا من الطلوع والنزول، فكروا في أن يخرقوا خرقا في أسفل السفينة، ويأخذوا حاجتهم.. يقول صلى الله عليه وسلم: «فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا»، والقصة والحديث في الصحيح، وتعتبر أصلا أصيلا في بيان أن مصير الناس واحد، وأن الأخطار التي يمكن أن تهدد جميع سكان العالم واحدة، وبدون حصول الأمن المجتمعي العام تختل الموازين، وتضطرب حركة الحياة، وتتوقف الآمال؛ والأمن هنا أقصد به تلك الجوانب، التي قد لا تتبادر إلى الذهن، عندما يمر الإنسان على مفردة (الأمن)، مرورا خاطفا وسريعا؛ فلا يتنبه إلى أن من الأمن الذي يحتاجه الآدمي، في مشارق الأرض ومغاربها، تمكين عقله من أداء دوره الفاعل في الحياة، والمحافظة على معتقداته وخصوصياته، وعدم المساس بها، أو العدوان عليها، وبذل الجهد في إسعاده، وإزالة ما يقلقه، ويقلق مجتمعه، وتشجعيه على الوصول إلى الأفضل، في جميع مجالات الحياة، ومنعه عن الوصول إلى التدهور، أو حتى إلى العشوائية، وتفهيمه كيفية التعامل مع الواقع.
دينيا لا بد أن نصل إلى القلوب والعقول، وأن يكون خطابنا الديني غير منفصل عن متغيرات الحياة، وعلينا أن نأخذ في الحسبان، أننا في عصر مختلف تماما عما قبله، ولا يليق أن يظل من بيده الحل والربط الديني، يردد ما كان يردده قبل سنوات؛ فالظروف غير الظروف، والتجمد على القديم غير مقبول، والعمل للآخرة لا يعني عدم عمارة الدنيا، وغير هذا عدم فهم، لقول سيدنا صالح، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، في القرآن العظيم: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب}، وعدم فهم للدعاء الصحيح، للصادق المصدوق، صلى الله عليه وسلم: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر».
الأمن المجتمعي العام، ما تقدم جزء منه، والأوان قد آن، لننشغل بهذه الحقوق الأساسية؛ التي تدفع من أجل إحياء الأمل، وتمنع من اليأس، وتكشف عن الشبهات والمتناقضات، وعلينا أن نقوم بتحصين الشباب والشابات ضد التيارات الضارة، وأن نقوم بتقديم التوعية الضرورية لهم، ونمكنهم من التمييز بين الحق والباطل، وما ينفع، وما لا ينفع، وأن نحميهم من الوقوع فريسة عقول وأيادي فئات أساءت فهم الدين، وأن نبصرهم بأن الحرية وإن كانت من حقوقهم، لكن المقصود منها الحرية المسؤولة، وليست الحرية العشوائية، وأن آمال المجتمع معقودة عليهم، وعلى تفاعلهم الإيجابي فيما بينهم، وعلى قيامهم بحق الاستخلاف في الأرض، وعدم الاستماع إلى الطامعين والمتشائمين.