مصهف عسيري
جمعتني به الصدفة، وجدته وهو في زاوية المكان، ورغم ظهور آثار الزمان على ملامحه إلا أنه بشوش مستبشر، يعطيك طاقة إيجابية ويجعلك تتفاعل معه مهما كانت أثقالك وهمومك، رحب بي وقال: دعها، في إشارة منه إلى أن أتحدث معه واترك ما كنّت أفكر فيه، أو ربما كنت أحدث نفسي به، فقلت له: ومن تعني بكلمة (دعها)؟ فقال: اقرأ في وجهك أنك تحادث داخلك، فقلت له: وما يدريك إن كنّت كذلك؟ فقال: تجربة السنين في التمعن في وجوه الآخرين أكسبتني فراسة القول فيما قد يلوح داخلك أو قريبا منه، فقلت له: وماذا تتوقع أنني أفكر به؟ فقال: دعها لخالقنا، فما خلق داء إلا وله دواء، وما خلق مخلوق على وجه الأرض إلا وهيأ له رزقه وسهل له أمره فلا تتكدر. تبسمت وقلت له: لم تجبني عما أفكر فيه، فقال: حديث الساعة القيمة المضافة، لا أعتقد أن هناك أمرا غيرها يشغلك ويشغل غيرك، فهي التي أخذت ألباب الناس ولا حديث ولا تفكير لهم إلا فيها، اقتربت منه وقلت له: إذاً أنت تعيش الواقع، فقال: نعم وهل في هذه الدنيا من لا يعيش هذا الواقع ؟! قلت له: فبماذا ترى؟ وكيف تنصح؟ قال: اقترب مني لنتحدث أكثر، وقال: الكثير الآن وللأسف الشديد يعيشون في قلق وخوف كثير لا أرى له مبررا غير أنهم يريدون الاعتماد الكلي على الدولة في كل شيء، ففي زمن عشناه (والحديث له) لم نكن نعرف شكلا ولا مضمونا للعملة النقدية على الإطلاق، وكان اعتمادنا الكلي على الزراعة والرعي والاحتطاب، ومع ذلك كنّا نعيش في سعادة كبيرة والحمد لله، كانت قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا تجعلنا نقف مع بعضنا وبدرجة عالية صادقة مخلصة، لم يكن عندنا الخوف الذي أشاهده الآن في عيون الآخرين، وكان سبب عدم خوفنا هو اعتمادنا على الله سبحانه وتعالى، ثم اعتمادنا على أنفسنا في كل شيء كالزراعة والرعي والاحتطاب،.....الخ، وهذا عمل يومي ومستمر، وتجد الطفل وهو ما زال في السنة الرابعة من عمره يقوم بمهام عملية ويتحمل المسؤولية، ولهذا فأفراد الأسرة في البيت جميعهم يعملون، وكل في مجاله ومهامه، وليس كما نشاهده اليوم من أن نصف أفراد الأسرة -إن لم يزد- لا يمارسون أي عمل، حتى وإن كانوا قد أكملوا دراستهم، ولهذا لم يكن الخوف الذي أراه وأعايشه في أعين الناس اليوم.
ثم جاء الأمن والأمان والخير والنماء في هذه البلاد الطاهرة على أيدي قادتها بدءا بالملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن، ومرورا بأبنائه الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله، رحمهم الله جميعا، ووصولا إلى ملك الخير والعطاء والحزم والعزم الملك سلمان، الذي أعطى المواطن بسخاء فإضافة إلى المرتبات هناك (الضمان الاجتماعي، وحافز، ومكافآت الطلاب الجامعيين وطلاب التعليم العام، ومساعدات مختلفة)، كانت وما زالت عونا للمواطن على أن يكون في رغد من العيش، ثم جاء حساب المواطن الذي يعتبر نقلة نوعية فكرية اقتصادية يُستهدف بها المواطن صاحب الدخل المحدود، وكذلك إيقاف الهدر المادي الذي كان ينفق في غير محله، ولا سيما في الدعم الذي كانت وما زالت تقدمه الدولة لما يستهلكه إنسان هذه البلاد الطاهرة.
وللأسف الشديد... إن هناك من يريد أن يحدث الفجوة بين المواطن والدولة فيستغل الفرص ليرمي بسمومه في خاصرة المجتمع، هؤلاء الضعاف لن ينالوا ما يصبون إليه ما دام المواطن يتمتع بوعي وإدراك، ويعرف تمام المعرفة أن هذا الوطن (المملكة العربية السعودية) حباه الله بقيادة صادقة أمينة ترعى حقوق الله وعباده، حامية وخادمة للحرمين الشريفين، ناشرة وداعية للإسلام في كل مكان، داعمة وراعية للإسلام والمسلمين في كل أصقاع الدنيا.
كنت أستمع إلى حديثه بإنصات شديد وبتركيز أشد، وأقول في نفسي هذا الرجل جاء بما لا تستطيع كافة وسائل الإعلام إيصاله، من خلال حديث سهل وبروح صادقة وثقة تامة، رافقتها تجربة عملية واقعية، التفت إليّ وقال: يبدو أن سرحانك وتوهانك عاد إليك، فقلت له: نعم، ولكن هذه المرة فيك وفيما تقول، فقال: لعلي لا أكون قد خرجت وتجاوزت حدودي، فأنتم في هذا الجيل تفكرون بطرق مختلفة، ونحن لدينا طريقة واحدة، ولكننا نمزج من خلالها بين القول والعمل سوياً، ولا يمكن أن نفرق بينهما أبدا، أما أنتم فأراكم تكثرون في الكلام وتقللون من الأفعال والأعمال، ثم إنكم تنسون وربما تتناسون ما تعيشون فيه من أمن وأمان وسعة وخير والحمد لله.
فقلت له: نعم، نحن نعيش في أمن وأمان ورغد من العيش، وأبناء الوطن قادرون على إثبات وجودهم في الأيام القادمة، كما هم الآن يثبتون وجودهم في كل المجالات.