تشهد المملكة هذه الأيام انطلاق حدث بارز هو منتدى الرياض الدولي الإنساني، الذي يضم أكثر من 70 منظمة دولية معنية بالعمل الخيري في العالم، بتنظيم مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وتحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الأمر الذي زاد من ألق المناسبة وتأثيرها، ومنحها أهمية كبرى انعكست في تغطية إعلامية بارزة بدأت قبل انطلاق أعمال المنتدى. وسلطت الأضواء على مركز الملك سلمان الذي نال اهتماما متعاظما خلال الفترة القصيرة منذ تدشينه. وإن كان عمره بحساب الأيام والسنوات قصيرا، حيث لم يتجاوز ثلاث سنوات، إلا أنه كبير وعظيم بمقدار الجهد الذي بُذل خلال هذه الفترة الوجيزة، والإنجازات التي تحققت، والتي لم تتأت بفعل الصدفة، بل جاءت نتاجا لعمل مؤسسي علمي ممنهج، ورؤية ثاقبة، وتنظيم دقيق، إلا أن ضخامة الجهد الذي قُدِّم أجبر وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية على متابعته، وتسليط الضوء عليه، لاسيما أن مساعداته وصلت إلى أكثر من 30 دولة حول العالم.

آمال عظام تُعلَّق على المنتدى لتحقيق الكثير من الأهداف، في مقدمتها فك الارتباط القائم بين العمل الخيري والإنساني عن الأهداف السياسية، وهو ما يركز عليه المركز، الذي لم يربط مساعداته بأي عناصر أو اعتبارات سياسية أو عرقية أو طائفية أو مناطقية، بل كان شعاره هو مساعدة المدنيين في كل أنحاء العالم، بغض النظر عن توجهاتهم وقناعاتهم، وقامت جهوده على هدف أساسي يتمثل في مد يد العون للمتضررين في معظم دول العالم، حتى معقل التمرد الحوثي في صعدة وصلته عشرات الأطنان من المواد الإغاثية، رغم أنه في الوقت الذي كانت فيه قوافل الإغاثة تمد المحتاجين بمقومات الحياة، والأغذية والأدوية، كانت قذائف الغدر تنطلق من ذات المحافظة، مستهدفة المدنيين في القرى الحدودية السعودية. لكن المملكة لم تؤاخذ السكان المدنيين بتصرفات الميليشيات المسلحة، لقناعتها أنهم أبرياء لا ذنب لهم. ليس هذا فحسب بل إن مستشفى السلام، وهو الوحيد الذي ما زال يعمل في صعدة يتم تمويله بواسطة المملكة، التي تتولى تزويده بالأدوية والإمدادات الطبية، إضافة إلى رواتب الأطباء والطاقم الطبي.

كذلك فإن المنتدى مطالب بابتكار أدوات جديدة تسهم في توطين العمل الخيري، وربطه بالتنمية في المجتمعات المحلية التي تحتاج إلى المساعدات، فبدلا من إرسال المساعدات بالصورة التقليدية، فإن مركز الملك سلمان يعمل في ذات الوقت على تطوير الاقتصاد المحلي في المناطق المستهدفة، ففي اليمن على سبيل المثال، لم يكتف المركز بإرسال المساعدات الإنسانية وإغاثة المحتاجين، بل اجتهد في محاولة إنعاش السوق المحلي عبر شراء مواد المساعدات من داخل اليمن، والاستعانة بشخصيات مشهود لها بالثقة لتوزيعها على المحتاجين، والتعاقد مع منظمات متخصصة لمراقبة التوزيع وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وعدم تسربه للأسواق. إضافة إلى توظيف عمال لتعبئة وتحميل وتنزيل المواد الغذائية.

كذلك تبدو الحاجة ماسة وملحة إلى تنظيم العمل الإنساني والتنسيق بين المنظمات والهيئات المتخصصة، حتى تعم الفائدة، ويستفيد منها غالبية المدنيين. والاهتمام بدعم الفئات الأكثر تضررا، والنأي عن وضع أي اعتبارات غير الإنسانية، إضافة إلى العدالة في توزيع الدعم بين الدول المانحة، حتى يقوم المجتمع الدولي بالدور المنوط به على أكمل وجه. وإن كان المركز قد ألقى بتنظيمه هذا المنتدى حجرا في بركة ساكنة، فإن على الجميع التجاوب والعمل الجاد لتحقيق الأهداف المنشودة. هناك أيضا نقطة في غاية الأهمية، وهي حث المنظمات والهيئات الإنسانية على تقديم الدعم والمساعدات، والنأي عن إصدار البيانات المغرضة. وعدم السعي لتجريم أحد أطراف النزاع لمصلحة أطراف أخرى، أو لتحقيق أهداف خاصة.

بقي أخيرا القول إن المنتدى الذي تشارك فيه منظمات إقليمية ودولية من أكبر وأهم الجهات العاملة في هذا المجال يعد الأكبر من نوعه، حيث يوفر على مدار يومين فرصة مثالية لتخليص العمل الإنساني من النقائص والمثالب التي تمنع تحقيق الفائدة المرجوة من الجهود الكبيرة التي تبذل، ويتيح منصة مثالية تجمع كافة أطياف المجتمع الدولي، وصنَّاع القرار في الدول المانحة، لذلك لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة اجتماعية فقط، أو منصة لإلقاء الكلمات الإنشائية المكرورة، فالعالم كله ينتظر منه وضع أُطُر تنظيمية واضحة تحكم طبيعة العمل الإنساني، ووضع إستراتيجيات جديدة تمكن عمال الإغاثة وموظفيها من الوصول إلى أكبر شريحة من المحتاجين، وتوفر الحماية لهم، وتمنع الاعتداء عليهم.

وعلى المشاركين في المنتدى إدراك أن أنظار العالم تتجه إليهم، أملا في الخروج بنتائج مشرفة، وتوصيات واضحة تجرّم وتحرّم محاصرة المدنيين في القرى، واستخدام الغذاء كسلاح لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية، كما فعل النظام السوري مع سكان حلب، ويعيد نفس المأساة في الوقت الحالي مع سكان الغوطة الشرقية، وكما تفعل ميليشيات الحوثيين الانقلابية في اليمن مع المدنيين في تعز، بسيناريو متكرر ومتشابه، يحيل أجساد الأطفال الأبرياء إلى هياكل عظمية تكسوها جلود شاحبة، بعد أن أرغمتهم شدة الحصار وانهمار القذائف على أكل الحشائش وأوراق الأشجار، وكلا السيناريوهين يحدث بإخراج وإشراف مباشر من النظام الإيراني، وهو القاسم المشترك في أزمتي البلدين، بعد أن وافق العملاء على تنفيذ تلك الجريمة، دون أن يطرف لهم جفن أو يصحو ضمير مات منذ زمن بعيد.