يخفى على كثيرين أننا وصلنا لمرحلة حرجة وعالية الخطورة من ارتفاع نِسَب السمنة والأمراض القاتلة، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري، حيث وصل عدد الأطفال المصابين بالسمنة في السعودية نحو 3 ملايين ونصف المليون طفل، بينما تمثل نسبة الذين يعانون من السمنة 36- 50 %‏ من سكان المملكة، حسب تقارير مختلفة، وأشارت الأرقام إلى زيادة نسبة انتشار ارتفاع ضغط الدم إلى 25,5 % من إجمالي سكان المملكة، ويتوقع ارتفاع نسبة الإصابة إلى 49,5 % من إجمالي السكان بحلول عام 2025. هذا المرض أو القاتل الخفي يترافق غالبا مع أمراض القلب والأوعية الدموية والكلى، وتقدّر نسبة الوفيات الناجمة عنها بـ22 %، ومن الأرقام الصادمة في عام 2015 تم تسجيل 3.8 ملايين حالة إصابة بالسكري في المملكة. وسجل مرض السكري من النوع الثاني معدلات انتشار عالية في السعودية بلغت 32.8 %، ومن المتوقع أن تصل إلى 45.36 % في عام 2030. وهذه أرقام مريعة تهدد الأمن الصحي السعودي في المستقبل القريب.

هذه الأرقام تحتاج إلى وقفة صادقة وعمل جماعي من الجميع، وإلا فسوف نحتاج إلى ضخ مئات المليارات من الريالات للتعامل مع مشاكل السمنة وارتفاع ضغط الدم والسكري في المستقبل القريب، وسنتحول إلى مجتمع يعاني غالبيته من الوجع والوهن مما يؤثر على إنتاجية المجتمع ككل، ولو نظرنا للسبب الرئيس لكل تلك المشاكل الصحية لوجدنا سببا واحدا رئيسيا، ألا وهو أنماط الحياة غير الصحية التي يعيشها المواطن السعودي، ومن باب أولى قبل التفكير بالتعامل مع المشاكل هو محاولة منعها وتوفير ميزانيات ضخمة ومجهودات هائلة للتعامل مع أجساد نهشها المرض، فالوقاية خير من العلاج.

تبنى إستراتيجيات الوقاية على محاور رئيسة، منها ما هو التثقيف المجتمعي ومحاولة إصلاح النمط المعيشي ابتداء من المدرسة والعمل والحياة اليومية، فالمدارس عندنا مستأجرة ولا تراعي غرس ممارسة الرياضة والوجبات الصحية في مقاصفها، وأقصى ما تفعله هو ممارسة كرة القدم من باب رفع العتب، بل إن مدرس التربية البدنية إما غير متخصص أو يدرس مواد أخرى، والشركات لا تحتوي على أي مقومات للاهتمام بصحة ولياقة الموظف، والحياة اليومية تعتمد كثيرا على السيارات والخمول والنظام الغذائي المليء بالسعرات الحرارية.

وللحد من خطورة الأمراض المزمنة كالسمنة وارتفاع ضغط الدم ومرض السكري يجب أن يكون هناك مشروع وطني مشترك بين أكثر من جهة ومنها وزارات (الصحة- الإعلام- الشؤون البلدية- التجارة)، والهدف هو (زرع) ثقافة الرياضة والنمط الصحي للحياة، فهذه الثقافة تزرع بالغرب منذ الطفولة وعندنا لا يعرفها الشخص إلا حين (تنتفخ) أوداجه وتبرز (كرشته) ويذهب للبحث عن إنقاص عاجل لتخمته، فالوقاية خير من العلاج ومن أجل ذلك فنحتاج:

1 - هيئة وطنية عليا تضم الوزارات المعنية ومهتمين بالشأن الصحي لوضع خطة موحدة واقتراح حلول عملية لتنفيذها.

2 - أندية رياضية مجانية أو بأسعار رمزية في كل حي وتكون شرطا من شروط الأحياء الجديدة مثل الحديقة وغيرها من الملحقات الضرورية لإنشاء أحياء (مثالية).

3 - إيجاد وتهيئة مناطق خضراء بالأحياء تصلح لممارسة رياضة المشي.

4 - التركيز الإعلامي على خطورة الأمراض المزمنة، وبخاصة عبر الرسائل غير المباشرة، ومن أهمها المسلسلات التلفزيونية والبرامج الحوارية.

5 - دعم برامج التثقيف الصحي والطبي المرئية وعبر مواقع التواصل الاجتماعي وجعلها جزءا من خطة إعلامية شاملة.

6 - وجود نواد صحية بالمدارس، فغرس ثقافة الرياضة والاهتمام بالجسم لا يأتي بين يوم وضحاه، بل هو منهج يجب المداومة عليه منذ الصغر.

7 - توفير مزايا تنافسية لشركات مراكز اللياقة لإثراء القطاع وتوفير الخدمات المميزة للمواطنين.

8 - الاشتراط على المنشآت الخاصة والحكومية الكبيرة توفير ناد صحي مجاني للعاملين فيها.

إعلاميا لقد أعجبت بما رأيته من قناة توعوية طبية قام بها الإخوان بالخدمات الطبية للقوات المسلحة وتبث بجميع غرف التنويم للمستشفيات العسكرية، وهي خطوة رائدة وقد تكون نواة لمشاريع أكبر، حيث نستطيع أن ندمج الرسائل التثقيفية الصحية مع برامج الترفيه والأخبار لضمان أكبر مشاهدة ممكنة، ويجب علينا الاستفادة من الدروس وتجارب من سبقنا بسنوات، فمن المهم توفير الأدوية والعقاقير والرعاية الطبية للمواطنين، ولكن الأهم والأجدى طبيا وماديا هو رفع شعار الوقاية خير من العلاج، حينها لن نستغرب أن نرى تلك (التسعينية) الكندية تتزلج برشاقة لا يستطيعها (الأربعيني) السعودي.