اعتبرالمسرحي التونسي، محمد رجاء فرحات، أنّ شعوب العالم لا تعيش دون ذاكرة وتاريخ مسرحي أو سينمائي، مشيرا إلى أن هذا السبب هو ما دفعه إلى التخصّص، عبر أعماله المسرحية، في إبراز الشخصيات التاريخية لبلاده. وقال فرحات إنه اختار «البورتريه السياسي» منهجا في معالجاته المسرحيّة، فكان أن تخصّص طيلة سنوات في إبراز شخصيات تونسية، تركت بصمتها في تاريخ البلاد.
ويعد فرحات، وهو من مواليد أواخر أربعينات القرن الماضي، أحد رواد الفن الرابع في تونس، كما يعتبر أيضا من دعاة المسرح التاريخي والوثائقي.
وعمل فرحات، من خلال أعماله المسرحية، على التعريف بالعديد من الشخصيات السياسية والاجتماعية في بلاده، مثل الطاهر حداد، أحد رموز حركة الإصلاح الوطني، والنقابيين التونسيين محمد علي الحامي وفرحات حشاد، والرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبه.
الباي كان بطلا مأساويا
في آخر أعماله المسرحية، جسّد فرحات شخصية «المنصف باي» الملك الحسيني لتونس (1942ـ1943)، في مسرحية حملت اسم الشخصية نفسها. والمسرحية ألفها رجاء فرحات، وأدى فيها دور المنصف باي، وشاركه في هذا العمل الممثلان رؤوف بن عمر في دور الحبيب بورقيبه، وآمال الفرجي في دور«للا قمر» (السّيدة قمر)، في عمل «جسّد جميع مراحل حياة المنصف باي، من بداياته وحكمه إلى منفاه». وفي معرض حديثه عن المنصف باي، أشار فرحات إلى أنه تناول الشخصية من زاوية تراجيدية، خصوصا في المرحلة التي أعقبت عملية إنزال القوات الألمانية في تونس عام 1942، أي خلال الحرب العالمية الثانية، وأصبحت في مواجهة مع قوات الحلفاء. واعتبر أن «الباي كان بطلا إلا أنه كان بطلا مأساويا عاجزا لا يتحكم في شيء، إلى حين القبض عليه في 13 مايو 1943، بتهمة التعامل مع الألمان، قبل أن تتم تنحيته عن العرش، ونفيه حتى وافته المنية في 1948». ولفت المسرحي التونسي إلى أن «التخصص في الشخصيات التاريخية من تعاليم الإنجليزي ويليام شكسبير، مبتكر هذه المدرسة الأساسية في المسرح التاريخي من خلال تسليط الضوء على ملوك بريطانيا».
ومن أبرز أعمال رجاء فرحات، مسرحيات «بورقيبه السّجن الأخير» و«الطاهر الحداد» و«فرحات حشّاد».
البيروقراطية معضلة الثقافة
وفيما يتعلق بمهرجان «أيام قرطاج المسرحية» من 8 إلى 16 ديسمبر الماضي، انتقد رجاء فرحات عدم استمرارية مديري المهرجان في رئاستها، معتبرا أنّ تونس لا تزال تعيش في «عهد البيروقراطية السوفيتية».
وبحسب فرحات، فإن «وزارة الشؤون الثقافية هي التي تعين، عموما، مديري المهرجانات، في حين أنه يجب على الوزارة أن تكون لتصريف الأمور فقط وليس لإنتاج الثقافة، ناهيك عن اختيار مدير مهرجان».
ودعا فرحات إلى «ضرورة أن يتشاور الوزير مع أهل الإبداع العارفين بشؤون الثقافة، ولا يجب أن تنغلق اجتماعاته على عدد من أساتذة اللغة العربية وعلم الاجتماع، وعلى موظفي الوزارة الذين لا يقرؤون ولا يزورون المسارح، ولا يعرفون شيئا عن الثقافة».
وحول غيابه عن المناصب السياسية، قال فرحات إنّه «يستمتع كثيرا حين يكون جالسا أمام مكتبه، لكتابة مسرحية جديدة، أو حين يقف على خشبة المسرح ويلتقي جمهوره».
وتابع أنه «تحمل مناصب إدارية في مجال الثقافة بتونس الخارج، لكن أكبر متعة بالنسبة له تكمن في العمل الأدبي والتاريخي والمسرحي والفني».
وتولى فرحات إدارة مهرجان قرطاج الدولي، وهو في السابعة والعشرين من عمره، كما يعتبر من مؤسسي فرقة الجنوب للمسرح بقفصة (جنوب غرب) في 1972.
وفي ما يتعلق بواقع الطرح الثقافي التونسي بعد ثورة 2011، اعتبر فرحات أن أي «حدث تاريخي لا يخلق ثقافة جديدة».
ولفت إلى أنه «مازالت في بداية الطريق الذي بدأ منذ استقلال البلاد في 1956، وهذا المخاض عسير جدا، وما يجعله عويصا هو غياب الإرادة السياسية الحازمة وغياب الإمكانات المالية».
وبالنسبة له، فإنه «لا يمكن أن تبرز حركة ثقافية إلا بضخ المبالغ المالية الكافية للفرق الفنية، وفي ظل غياب هذه الإمكانات، فإن كل ما يجري أمر لا قيمة له».