أفجعتني حادثة السطو على الحساب البنكي لزميلنا د. عبد العزيز قاسم. فبأمر من إحدى شركات الجوال، أوقف البنك فجأة جميع حساباته وأصبح في لحظة واحدة كأنه معدم لا يستطيع سحب هللة واحدة من حسابه. طبعاً ليس مهماً أن نسأل عن السبب وهو عدم سداد فاتورة متأخرة ـ اتضح حسب ما قرأته في مجموعة القاسم أنها قد سُددت ـ ولكن المهم أن نسأل هل يحق لشركة ما إيقاف حسابات المواطنين؟ إنه أمر محير لو أنه فعلاً قد حدث. عندئذ تخيلوا معي أن يكون المواطن هو أنت.. في غرفة الطوارئ أو في الصيدلية ومعك جميع بطاقاتك البنكية، ومع ذلك لا تستطيع أن تسحب بها ريالاً واحداً من حسابك لتدفع قيمة علاجك ! بعد ذلك سوف تذهب لبيتك لأن عين المستشفى كانت على جيبك وليس على قلبك.

جعلتني هذه الحادثة لا أشعر بالأمان على (قروشي) في البنك. وجعلتني أفكر في الاحتفاظ بها في جيبي. ولكن سرعان ما خفت أن تتعرض الفلوس للضياع فقلت لنفسي أدسها تحت (البلاطة) لكني فكرت في المشقة التي سوف أتحملها في كل مرة أذهب فيها إلى البنك، فأضطر إلى الانتظار في الطابور الممل ساعتين لأسدد قيمة الفاتورة نقداً. وتذكرت أنه عندما أصل إلى الشباك، فسوف يسبقني واحد واثنان وثلاثة ممن يحملون الـبطاقات الذهبية والفضية لأن البنوك تميز الذين يملكون وتقدمهم على من لا يملكون!

لو صحّ هذا التدخل وأصبح سلوكاً مشاعاً من كل الشركات، فنحن إذاً أمام قضية خطيرة سوف تقلق بال كل المواطنين وقد يتعرض لها أي واحد منا. لذلك أناشد الإخوة المحامين النشطاء وأدعو جمعية حقوق الإنسان إلى الوقوف مع الحق القانوني للمواطنين بالمطالبة بمنع الشركات من الوصول إلى حساباتهم البنكية ومنع تجميدها. لأن ما قامت به تلك الشركة يعد تجاوزاً للحدود، وتعدياً صارخاً على الحقوق الشخصية والمدنية. فقد تجاوزت دور الخصم والحكم. حيث جعلت في يدها سلطة المحكمة وسلطة التنفيذ متجاهلة الحق القانوني المتعارف عليه في جميع البلدان الذي يجعل الدخول على الحسابات البنكية من اختصاص الدولة.

سوف تزداد حيرة المواطنين ويسألون عشرات الأسئلة، لكن سأكتفي بثلاثة منها لعلها تميط اللثام عن الحقيقة الغائبة: هل تملك هذه الشركة وحدها حرية التدخل على الحسابات وتجميدها؟ وهل سنشهد توسعاً في هذا الحق ليشمل بقية الشركات؟ لماذا لم تتدخل أي جهة حتى الآن لإرجاع حقوق عدد كبير من المواطنين سددوا قيمة أكثر من المستحق على فواتيرهم؟ أظن أن حيرتي سوف تزداد، فإذا لم نوقف دخول الشركات على حساباتنا فلن نشعر بالأمان.