يركض لاعب كرة القدم شوطا واحدا مدته 45 دقيقة ويرتاح 15 دقيقة ويعود ليركض 45 دقيقة أخرى. ليرتاح بعدها ثلاثة أيام على أقل تقدير، ويتقاضى لقاء ذلك مئات الآلاف..وأحيانا ملايين الريالات، بينما يركض المعلم في اليوم الواحد ثلاثة أشواط وأربعة وخمسة وأحيانا ستة أشواط لا يفصل بينها أكثر من خمس دقائق، يركض في بيد دونها بيد، يركض وإن كان يركض أحيانا واقفا، لأنه لا يجد المساحة، لكن تركض نبضات قلبه، وتركض خلايا مخه، وتركض جميع عضلاته، في جميع المسارات والاتجاهات.

يركض اللاعب في مساحات من الاخضرار بين جموع من المريدين والمحبين والمشجعين والهاتفين، بينما يركض المعلم على بلاط مهلهل أو أرضية أسمنتية متشققة، بين مقاعد خشبية تنوء بالطلبة نصف النائمين.

مطلوب من اللاعب هز الشباك، وهو أمر لا يقارن بمهمة المعلم المتمثلة في هز العقول والكفوف، مطلوب من اللاعب تسجيل الأهداف في مرمى يحرسه حارس واحد، بينما ينبغي على المعلم تسجيل الدخول على أدمغة تترس في جماجم يحرسها عشرات الحراس.

مطلوب من اللاعب تحقيق البطولات والكؤوس، بينما ينبغي على المعلم اكتشاف ما في الرؤوس وتربية النفوس.

يحتاج اللاعب الجيد ساعة ونصف ليسجل الهدف، وتهتف له الجموع والمجتمع، ويحتاج المعلم إلى ست أوسبع ساعات، ليس ليسجل هدفا، وإنما ليسجل توقيع الانصراف على دفتر الحضور.

يحتاج اللاعب إلى عشر مباريات ليحقق الكأس، ثم يحمل على الأعناق ويحتل القلوب وصدور الصفحات الأولى من الصحف وتحتفل به وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، بينما يحتاج المعلم ليحقق هدفه عاما كاملا أو أعواما، ولا يدري عنه أحد.

يستمتع اللاعب كل عام تقريبا بالتسهيلات والقوانين التي تسن وتستحدث من أجله وتسهم في الحفاظ على موهبته وحقوقه، وتذلل له كل الصعوبات، بينما يعاني المعلم من أنظمة أثرية ولوائح قديمة تجعله يتأرجح بين 20،24 حصة كما كان قبل عقود من الزمان، دون تغيير أو تعديل، رغم كل ما مر به التعليم من تحولات واستحداث المناهج المطورة.. واقتحام التعلم النشط وإستراتيجياته، ظل نصاب المعلم من الحصص ثابتا، ونصاب المدارس من المعلمين ثابتا، فالمعلم الذي كان يحمل 24 حصة قبل أربعين عاما، مازال يحمل نفس النصاب، وكأن نصاب المعلم هو الجزء المقدس من اللوائح الذي لا يجوز المساس به.

يخرج اللاعب عبر وسائل الإعلام مطالبا بحقوقه أو متذمرا من بعض الأمور الإدارية والفنية والمالية، فينصت الجميع، ويصبح اسمه في الترند الأول في تويتر، وتنهال عليه الاستجابات من هنا وهناك.

بينما ليس هناك أي جهة تتبنى المعلم أو تنظر إلى مطالبه وهمومه.

يبدأ المعلم براتب لا يتجاوز 8000 ريال كحد أعلى، ويبدأ اللاعب مشواره الكروي بعشرة أضعاف هذا الرقم، وهذه أرزاق يقسمها الله كما يشاء على من يشاء من عباده، لكن المعلم فقط هو المحسود..

تنوء كواهل الآباء والأمهات من تدريس طفل أو طفلين في المنزل، وتضج المنازل وتضيق الصدور ويتململ الصبر من العطلة الصيفية لأن التعامل مع الأبناء أمر شاق. يحدث هذا وهم فلذات الأكباد، وأقرب الناس إلى قلوبنا وأرواحنا. ما بالك بمن يتولى أمرهم ساعات طويلة وهو لا يعرف عن بعضهم سوى الاسم فقط. هذا هو عمل المعلم، بينما يقتصر عمل اللاعب على ممارسة هوايته المفضلة لا أكثر.

من يقرأ المقال سيرى أن المقارنة غير متوازنة، وأن الكفة تميل بإجحاف لصالح اللاعب، وبالتالي فهو صاحب النعمة المحسود، لكن في مجتمعنا المعلم هو المحسود، حتى وهو يتحول إلى شريحة لحم مشوية بين شطيرتي المجتمع والوزارة.