مع أن الولايات أمانة عظيمة، إلا أن (بعض) الناس يحرصون عليها، ربما لم يستشعروا أنها ندامة يوم القيامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها، هذه الولايات وإن كانت نِعْم المرضعة في الدنيا: لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة، وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال حصولها، إلا أنها بئست الفاطمة: عند الانفصال منها بالموت أو العزل، لأنه يصير بعد الموت إلى المحاسبة عن كل شيء فعله فيها، وفي حال العزل في الدنيا: تزول عنه الأُبهة، وينصرف عنه الناس الذين كانوا يُعظمونه ويزورنه من أجل تلك الولاية، لا من أجل شخصه، فيكون كالذي فُطِمَ قبل أن يشبع، فيكون في ذلك الفطام هلاكه وتحسره، والمُعَافَى من عافاه الله من هذه المسؤوليات والولايات، ولم يتطلَّع لها تصريحا أو تلميحا، فإن جاءته من غير مسألة وتطلّع، سأل الله الإعانة، وراقب الله فيما كُلّف به، وقام بعمله بالصدق والإخلاص والأمانة، فهذا هو السعيد، الذي له الأجر من الله، ومحبة الناس وإن ترك عمله لأي سبب.
وقد كان النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا يولي من طلب الولاية، ولا من حرص عليها، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (إنا لا نولي أمرنا هذا من سأله، ولا من حرص عليه)، لأن هذا مؤشر لإرادته العلو على الناس، وتحقيق رغباته الشخصية من الوجاهة والنفوذ، ومؤشر كذلك لعدم استشعاره مسؤولية الولاية وتبعاتها إذا وقف بين يدي الله، فإن من الناس من يتخذ الأمانة مغنما، كما جاء ذلك في الحديث، وقد يطلبها بسبب غفلته عن ضعفه، وثقل حمل الأمانة، وقد كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يحب أقواما ولا يوليهم رحمة بهم، كما في قوله لأبي ذر رضي الله عنه: (يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأمَّرنّ على اثنين، ولا تَولَّينَّ مال يتيم)، وفي رواية أخرى: (يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها).
وفي التاريخ صفحات مشرقة لكثير من الأولين، وقليل من الآخرين، تزخر بنماذج من الكفاءات المؤهلة يفرّون من الولايات كالفرار من الأسد، لا لعدم تمكنهم، لكن لخوفهم من الله، وطلبا للسلامة، فإذا أتتهم الولايات من غير طلب ولا تطلع، سألوا الله الإعانة، فأعانهم الله، ووفقهم للقيام بخدمات جليلة، عظيمة النفع على البلاد والعباد، وفي هذا يقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ عن الولايات: (إن أتتك من غير مسألة أُعنت عليها).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (يجب على كل من ولي شيئا من أمر المسلمين، أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع، أصلح من يقدر عليه، ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية، أو سبق في الطلب.
بل ذلك سبب المنع، فإن في الصحيحين عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( أن قوما دخلوا عليه فسألوه الولاية، فقال: إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه).
فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو صداقة، أو موافقة في بلد..أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغنٍ في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون).
ومن الخيانة تقديم العلاقات على الكفاءات في الولايات والإدارات والمسؤوليات، فمع كون ذلك مخالفا للشريعة، ومُنافيا للأمانة والنزاهة، فهو أيضا محبط للكفاءات، وسبب رئيس في تعطيل التنمية، وعلامة من علامات الساعة، كما في الحديث الذي رواه البخاري (إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة)، ولما سئل النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: وكيف إضاعتها؟ أجاب بقوله: (إذا أسند الأمر إلى غير أهله).