مقالي هذا سأستريح فيه قليلا من المقالات الفكرية التي وجدت نفسي حبيسا في مضمارها دون قصد؛ وأكتب عن شهرنا الحرام الذي نستقبل بداياته في هذا اليوم؛ ولن أكتب عن المشهور عنه، وإنما سأطوف حول موضوع واحد متعلق به، بغرض سأذكره في آخر المقال.
جاء الإسلام والعرب يذبحون في شهر رجب ما يسمى بـ(العتيرة) أو (الرجبية)، واعتمد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «العتيرة حق»، وقال أيضا: «يا أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تسمونها الرجبية»، وقال: «إن على كل أهل بيت أضحية وعتيرة»، وكلها نصوص تؤكد أمرين لا ثالث لهما، وهو أن الفعل، وهو الذبح لله تعالى في شهر رجب، إما أن يكون واجبا، وإما أن يكون مسنونا؛ وبسبب تداخل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا فرع ولا عتيرة» ـ الفرع هو أول ولد للناقة كانوا يذبحونه لأصنامهم، مع النصوص المتقدمة، ذهب الفقهاء في حكم الفعل الذي ذكرته سابقا مذاهب شتى، فمنهم من قال بالوجوب، ومنهم من ذهب إلى إنزال حكم النص من الوجوب إلى السنية، ومنهم من هداه فهمه إلى نسخ الحكم بالكلية، ومنهم من قال بالكراهة، ومنهم من بعد كثيرا، وذهب إلى التحريم.
يقول الإمام العلامة الحافظ زين الدين ابن رجب الحنبلي، رحمه الله تعالى، في كتابه المشهور، (لطائف المعارف)، والذي رأيت جدي ووالدي، رحمهما الله، لا يتركان مطالعته أبدا: «يتعلق بشهر رجب أحكام كثيرة؛ فمنها ما كان في الجاهلية واختلف العلماء في استمراره في الإسلام؛ كالقتال، وكالذبائح، فإنهم كانوا في الجاهلية يذبحون ذبيحة يسمونها العتيرة، واختلف العلماء في حكمها في الإسلام: فالأكثرون على أن الإسلام أبطلها.. ومنهم من قال: بل هي مستحبة؛ منهم ابن سيرين، وحكاه (الإمام أحمد) عن أهل البصرة، ورجحه طائفة من أهل الحديث المتأخرين، ونقل حنبل عن أحمد نحوه.. وفي (النسائي) عن نبيشة رضي الله عنه، أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نعتر في الجاهلية - يعني في رجب -؟ قال:«اذبحوا لله في أي شهر ما كان، وبروا الله وأطعموا»، وروى الحارث بن عمرو، رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفرع والعتائر؟ فقال: «من شاء فرع ومن شاء لم يفرع، ومن شاء أعتر، ومن شاء لم يعتر».
في مقالي هنا لا أرجح رأيا على رأي، وإنما أغتنم الخلاف في الفهم لأدعو إلى الاستفادة من هذه المناسبة، ومن المثل المتعلق بها؛ في أن يستوعب كل واحد منا غيره في الأمور الخلافية التي تمر علينا، وأن نترك الباب مفتوحا لمن وجد سبيلا للنفاذ، فمن أراد أن يحرم (العتيرة) أو يقول بكراهتها معتمدا على فهمه للنص، له ذلك، ومن نحا ناحية الوجوب أو السنية بناء على ما تقدم، له ذلك، ومن قال إن التحريم مقيد بالذبح إن كان لغير الله له ذلك؛ أما أن يمنع هذا الآخر، أو يلزم طرف طرفا بكلامه فلا.