ما زالت التيارات والشعارات تتجاذب البشرية منذ عشرات العقود وتغطي بظلالها القاتمة على عقول الكثير من البسطاء المندفعين وراءها، ممثلين ثقافة القطيع خلف قادة منتفعين يتلاعبون بمشاعر السذج في كل مكان وزمان، وتختلف المظاهر (الصوتية) وتتراقص خلف قضايا مختلفة منها القومي، الديني، الاقتصادي، ولعلنا نذكر بعض تلك الأمثلة التي ما زالت تتكرر في كل عصر مثبتةً الحكمة التي سمعتها كثيراً (التاريخ يعيد نفسه)، بالعصر الحديث كان أشهر (القوميين) هو أدولف هتلر الذي استطاع أن يحصل على تأييد الجماهير، بتشجيعه لأفكار تأييد القومية ومعاداة الاشتراكية، وإجادته الخطب الطويلة الرنانة التي تدغدغ الأحاسيس والمشاعر الآرية، ذهب هتلر وتكررت أفكاره بشكل أو بآخر مروراً بالقوميين العرب والبعثيين ومن هم على شاكلتهم، مروراً بجمال عبدالناصر ومن ثم صدام حسين اللذين أورثا شعبيهما دمارا هائلا وخطبا عنترية عالية الجودة.

 دينياً.. يبرز الرئيس إردوغان في قائمة المستغلين والمدندنين على أحاسيس الأمة الإسلامية، حيث يعزف بإتقان كبير على (وتر) القضية الفلسطينية كلما جاءت الفرصة، وبنفس الوقت تنمو علاقاته الاقتصادية والسياسية مع الدولة الإسرائيلية، مستغبياً تلك الجموع الحاشدة من شرق آسيا إلى حدود المغرب العربي، الذين يعشقون (حرق) الأعلام ورفع شعارات (الموت) لأميركا وإسرائيل، ويتم تحريكهم ببضع كلمات حماسية، وللأسف تنتشر بينهم ثقافة (القطيع).

 اقتصادياً برز كارل ماركس الذي ولد لأسرة إقطاعية غنية كأكبر المنظرين والمؤسسين للاشتراكية فيما بعد، وكانت أفكاره تقوم على سيطرة الطبقة العمالية عوضاً عن طبقة الملاك، وزعم أن المجتمع تحت النظام الاشتراكي سوف يحكم من قبل الطبقة العاملة في ما أسماه «دكتاتورية البروليتاريا»، وكان يعتقد أن الاشتراكية كانت الخلاص للفقراء وطبقة العمال حتى اكتوت دول شرق أوروبا بنار الشيوعية لفترات طويلة.. ما ذكرناه سابقاً أمثلة مدمرة للشعبوية على مدار التاريخ.

 يمر العالم حاليًا بثورة شعبوية تغزو مجتمعات عديدة، وقد رأينا تداعياتها مؤخراً بالمجتمعات الغربية، وتلك الأصوات النشاز التي تنذر بإسقاط الديموقراطية وترسيخ النظرة العنصرية الداعية لتفوق عرق أو لون محدد، وتقول الكاتبة الأميركية مارثا نوسبوم في كتابها (لماذا تحتاج الديمقراطية إلى الإنسانيات) منتقدة سياسة القطيع «مجتمع ذو توجه واحد وصوت واحد تنتفي عنه صفة المجتمع، يصبح فردا عملاقا لا يسمع سوى صداه».

 ولقد سمعنا مؤخراً بعض الأصوات الجديدة على المجتمع السعودي الحاملة شعار (السعودية للسعوديين)، والمعادية لكل ما هو أجنبي، وتلك ظاهرة غير محمودة فلا يجب الخلط بين أحقية السعوديين في التوطين والإحلال بالوظائف، وبين تأجيج مشاعر العداء ضد كل ما هو غير سعودي، فتشوهات سوق العمل السعودي أتت بسبب أخطاء تاريخية سابقة مع عدم جدية وتراخ في الرقابة للكثير من المنشآت الحكومية، والدليل وجود الملايين من المغتربين بكل دول العالم ذات الاقتصاد الحر مثل كندا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية، دون الإضرار باقتصاديات تلك الدول، حيث تشير الأرقام إلى وجود أكثر من 45 مليون مهاجر للولايات المتحدة الأميركية بما يقارب 20% من المهاجرين بالعالم، وأكثر من 10 ملايين مهاجر، فنحن من صنعنا بطالة السعوديين كوزارات «لم تقم بعملها بالشكل المطلوب» وتجار (إقطاعيين) ومواطنين (متسترين) و(مستهترين) بحقوقهم وحقوق الدولة، فعلينا تغيير أنفسنا قبل الهجوم على الآخرين، وبالوقت الذي نطالب فيه الشعوب بالحد من عنصريتها ضد الإسلام والمسلمين نقوم نحن بالجري خلف الهتافات العنصرية والداعية إلى تفكيك المجتمع بين مواطن وغريب وبين صاحب أصول سعودية ومتجنس في تناقض عجيب للقاعدة النبوية الشهيرة (دعوها فإنها منتنة).

لا شك أن لكل قاعدة شواذ، والقاعدة هي أن المملكة العربية السعودية سوف تبقى قائدة للعالم الإسلامي ومثالاً حسناً لحسن الاستقبال والتعامل والضيافة لكل مغترب (نظامي) يساهم في بناء وتطور هذا البلد المبارك، وأن الشعبويين زائلون لا محالة وسيصبحون من الماضي السحيق كمن سبقهم من التيارات (الصحوية) و(الإخوانية) وغيرها من الموجات المارقة.